وغاية ما في الأمر أن يكون هؤلاء معذورين في أخطائهم عند الله، مع وجوب الإنكار عليهم، وهذا على افتراض حسن الظن بهم، وهو مالا يُسَوَّغ في حق كثير ممن مردوا على مواقفهم وفتاواهم تلك عن عمد وقصد بعد بيان الحق لهم، وقيام الحجة عليهم واتضاح الدليل ضدهم، وحتى لو سلم أنهم استغفلوا فهذا دليل على فقدهم أحد شروط الإفتاء، وهو العلم بالواقع، وإقدامهم على الإفتاء مع فقدهم هذا الشرط، لا يجوز شرعًا، ويجب إنكاره عليهم.
إن مواقف هذه الفئة من العلماء وفتاواهم التي خذلوا بها الحق ونصروا الباطل وخانوا أمانة العلم وميراث النبوة هي التي دفعت كثيرًا من أهل الحق إلى سحب الثقة منهم، وقطع الأمل فيهم وكان ذلك من أهم أسباب سوء العلاقة بين كثير ممن يصنفون في خانة العلماء من جهة، وكثير من العاملين للإسلام من جهة أخرى.
والسبيل لحل هذه المشكلة هو موضوع الفقرة التالية ...
خامسًا: الطريق الصحيح لإصلاح هذا الوضع
لتجاوز مرحلة الخصام القائمة بين هؤلاء لابد من مراعاة الأمور التالية، وهي أمور نبه على معظمها فضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر - فَرَّجَ الله عنه وعن إخوانه - في رسالته [لحوم العلماء مسمومة] حيث بَيَّن واجب العلماء وملخصه فيما يلي، مع إضافات وتعديلات طفيفة أخرى، وبعض التعديل وهذه الواجبات هي:
1.أن يكون العالم قدوة في علمه وعمله، والله تبارك وتعالى يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ? كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} .
2.أن يَتَثَبَّت العالم في الفتوى ويكمل شروطها، فإذا طلبت منه فتوى في موضوع ما فعليه التأمل والتأني ومعرفة قصد المستفتي والآثار المترتبة على تلك الفتوى، ثمَّ يفتي بعد توفر شروط الفتوى من فقه الشرع وفقه الواقع.
3.أن يحذر العالم من الاستدراج والاستغلال والتدليس عليه خاصة من قبل حكام الظلم وسلاطين الفساد الذين بارزوا الله بالحرب والعدوان.
4.أن يكون جريئًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، فالجرأة في الحق من أهم ما يُمَيز العالم الصادق الذي هو القدوة الحسنة والأسوة المثلى لغيره، فعليه أن يقول للمسيء أسأت كائنًا