فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 481

إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا فإن قوله - عز وجل - {يَزْعُمُونَ} تكذيبٌ لهم فيما ادّعوه من الإيمان فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلًا بل أحدهما يُنافي الآخر، والطاغوت مشتقٌ من الطغيان وهو مجاوز الحد فكل من حكم بغير ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حكم الى الطاغوت وحاكم إليه." [من رسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ] ."

ويقول الله - عز وجل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:"ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهى عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والاهواء والإصطلاحات التى وضعهاالرجال بلا مستند من شريعه الله، كماكان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأرئهم واهوئهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارةٌ عن أحكامٍ اقتبسها من اليهودية والنصرانية والمِلة الإسلامية، وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد هواه. فسارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافرٌ يجب قتله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير."

وهل الياسق هذا إلا مثالٌ متقدمٌ للقوانين التي تحكمها أنت ونظام حكمك ومن على شاكلته من الأنظمه اليوم؟ إن تحكيم القوانين الوضعية والتحاكم إليها هو بلا شك عبادة ممن يفعل ذلك لواضع هذه القوانين، واستعبادٌ من مُشَرِّعها لمن يتبعونه ويطيعونه في تشريعاته تلك من دون الله. وهذا المعنى بَيَّنَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعُديّ بن حاتم في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيّره وحسنه أن عُديّ ابن حاتم - رضي الله عنه - - وكان نصرانيًا - سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} فقال:"يا رسول الله إنّا لسنا نعبدهم!"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حَرَّم الله فتحلونه؟! ) )قال:"بلى"، قال: (( فتلك عبادتهم ) )

إن عُديّ بن حاتم - رضي الله عنه - كان يظن ان العباده مقتصرةٌ على تقديم الشعائر التعبدية كالصلاة ونحوها ولما كان النصارى لا يصلون لأحبارهم ورهبانهم ظنَّ أنهم لا يتخذوهم أربابًا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أزال عنه هذا اللبس وبين له أنهم بطاعتهم إياهم في التحليل والتحريم علي وجه مخالف للشرع , فقداتخذوهم أربابًا من دون الله. وهذا المعنى للعبادة الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لعُديّ بن حاتم - رضي الله عنه - هو الذي أجمعت عليه الأُمَّة وتواتر عن العلماء الأئمة الذين سنذكر بعض أقوالهم فيما يلي باختصار: يقول ابن حزم عن قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} :"لمّا كان اليهود والنصارى يحرمون ماحرم أحبارهم ورهبانهم ويحلون ما أحلّوا كانت هذه ربوبية صحيحة وعبادة صحيحة وعبادة صحيحة قد دانوا بها،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت