فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 660

ولعل من أبرز الأمثلة على هذا السبب قوله تعالى: { فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ البقرة: 132] ، فقد يتبادر إلى ذهن القارىء لهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد أسند أمر الوفاة على الإسلام إلى بني آدم ، مما يشعر بأن ذلك في مقدورهم ، فيسبب ذلك إيهام تعارض بين الآية وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"... فو الذي لا إله غيره ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" [1] ، حيث يفيد الحديث أن الوفاة على الإسلام أو غيره أمر مفروغ منه وليس إلى الإنسان.

وببيان المعنى الصحيح للآية يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث ، كما فعل ابن جرير رحمه الله حيث قال:"إن قال لنا قائل: أ وَ إلى بني آدم الموت والحياة فينهى أحدهم أن يموت إلا على حالة دون حالة ؟ ، قيل له: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت ، وإنما معناه: { فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ؛ أي فلا تفارقن هذا الدين - وهو الإسلام - أيام حياتكم ؛ وذلك أن أحدًا لا يدري متى تأتيه منيته ؛ فلذلك قال لهم: { فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ؛ لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار ، فلا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم ، فتموتوا وربكم عليكم ساخط ، فتهلكوا" [2] .

(1) سيأتي تخريجه في الموضع رقم ( 4) ص134.

(2) جامع البيان 2/584 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت