وقال الشوكاني:"من جعل العالم أهل العصر فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصر، لا على أهل كل عصر، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذي فيهم نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولا على ما بعده من العصور، ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] ، وعند قوله تعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 34] ، وعند قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33] ، فإن قيل: إن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم، قلت: لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزمًا لكونهم أفضل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ؛ فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات" [1] .
وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع ففيه نظر؛ لأن القول بأن المراد بالعالمين في الآية العموم خلاف الأولى في تفسيرها، وهو ما نقل عن عامة المفسرين، مما سبق بيانه في الوجه الأول.
وعلى فرض التسليم بأن لفظ العالمين عام، فإنه يشمل من قبلهم ومن بعدهم، وقد وجدت النبوة والرسالة والكتب فيمن قبلهم وفيمن بعدهم، فإبراهيم الخليل عليه السلام قبلهم، وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بعدهم، وهو أفضل من جميع الخلق [2] ، فعلى هذا لم يفضل بنو إسرائيل على العالمين بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب كما يراه من قال بهذا الوجه.
(1) فتح القدير 1/ 81 - 82.
(2) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 258.