وقال ابن القيم:"وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في يوم القيامة بقوله: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} ، فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها، وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده، وإن لم يأذن له، وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه كقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} " [1] .
الوجه الثالث: أن نفي وجود الشفاعة يوم القيامة بحسب الزمان والمكان، فإن مواقف القيامة متعددة، وزمانها فيه سعة وطول، فيكون نفي الشفاعة المذكور في الآيات في ابتداء القيامة وشدتها، ثم يأذن الله بالشفاعة بعد ذلك، كما دلت عليه النصوص المثبتة للشفاعة، فتحمل النصوص المثبتة للشفاعة والنافية لها على وقتين مختلفين متغايرين أحدهما محل للشفاعة، والآخر ليس محلًا لها [2] .
وإذا تقرر عدم انتفاع الكفار بالشفاعة يوم القيامة كما سبق في توجيه الآيات النافية للشفاعة، فإن ذلك يوهم التعارض بين تلك الآيات وبين ما ثبت من شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب، كما جاء في الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالبٍ بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"نعم، هو في ضحضاح [3] "
(1) حاشيته على سنن أبي داود 10/ 408 - 409. وانظر: مفتاح دار السعادة له 2/ 269.
(2) انظر: الانتصاف على الكشاف لابن المنير 1/ 266، روح المعاني للألوسي 1/ 252، محاسن التأويل للقاسمي 1/ 302 - 303.
(3) ضحضاح: الضحضاح في الأصل: مارق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (ضحح) .