وإذا تبين ذلك فإن قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ... الآية} ونظائرها من الآيات لا تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى العرب خاصة؛ لأن تخصيص العرب بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وآكد، ونظير ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزحرف: 44] ، وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به [1] .
قال الرازي:"وفي هذه الآية مباحث، أحدها: احتجاج أهل الكتاب بها، قالوا: قوله: {بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} يدل على أنه عليه السلام كان رسولًا إلى الأميين وهم العرب خاصة، غير أنه ضعيف، فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48] ، أنه لا يفهم منه أنه يخطه بشماله؛ ولأنه لو كان رسولًا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى: {كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28] لا يناسب ذلك، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، وهو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى: {كَافَّةً لِلنَّاسِ} دليلًا على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولًا إلى الكل" [2] .
ويمكن أن يقال: إن الله ذكر في هذه الآيات العرب؛ لأنهم قوم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان موجودًا بينهم أول ما بعث، وأما المبعوث إليهم فلم تتعرض له هذه الآيات لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما جاء إثباته في آيات أخرى، وهي ما تقدم ذكره من الآيات الدالة على عموم بعثته ورسالته إلى جميع الخلق [3] .
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 115.
(2) التفسير الكبير 10/ 538. وانظر: محاسن التأويل 9/ 228.
(3) انظر: روح المعاني للألوسي 28/ 94.