فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 660

وقد جاء في الصحيح ما يدل على ذلك أيضًا، فقد روى ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟، قالوا: أي شيء نشتهي؟، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" [1] .

وأما ما جاء في حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"وأحيا أباك فكلمه كفاحًا"، وما قد يفهم منه أن أبا جابر - رضي الله عنه - كان ميتًا، ثم أحياه الله تعالى؛ ليكلمه، فالحديث فيه مقال، كما سبق في تخريجه والحكم عليه، فإن كان ضعيفًا فهو لا يقوى على معارضة الآيات المتقدمة الدالة على أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

وإن كان صحيحًا أو حسنًا فقد سلك أهل العلم في توجيهه مسلك الجمع، وذكروا في ذلك وجهين هما:

الوجه الأول: يحمل قوله في الحديث:"وأحيا أباك"على أن الله تعالى جعل روحه في جوف طير خضر، فأحيا ذلك الطير بتلك الروح فصح الإحياء.

الوجه الثاني: أن المراد بالإحياء في الحديث زيادة قوة روحه، فشاهد الله بتلك القوة، وكلمه بدون حجاب ولا رسول.

وبهذين الوجهين جمع الطيبي [2] ،

(1) أخرجه مسلم في الإمارة، رقم (1887) 3/ 1502.

(2) انظر: الكاشف عن حقائق السنن 12/ 3948.

والطيبي هو: الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، كان من علماء التفسير والحديث، له مؤلفات منها شرح مشكاة المصابيح، وكتاب الخلاصة في معرفة الحديث، توفي سنة (743 هـ) .

انظر: شذرات الذهب لابن العماد 3/ 137، البدر الطالع للشوكاني 1/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت