فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 660

وأما ما ذهب إليه الزمخشري ومن تبعه من أن الآيات مخصصة بالعرف والعادة، فقد تعقبه ورده أبو حيان بكلام جيد فيما يلي نصه:"وملخص ما يقوله - أي الزمخشري - أن السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة، وليس كما قال، وكيف يكون ذلك، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"أحلت لنا ميتتان"، فلو لم يندرج في الدلالة، لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله، إذ كان يبقى مدلولًا على حله بقوله: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 168] ، {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة، كما قال الزمخشري، بل لو لم يكن للمخاطب شعور ألبتة، ولا علم ببعض أفراد العام، وعلق الحكم على العام لاندرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به."

مثال ذلك ما جاء في الحديث:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع"، فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب، والمخاطب الذين هم العرب، لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب، وذلك الفرد مندرج في العموم، يقضي عليه بالنهي، كما في بلادنا بلاد الأندلس، حيوان مفترس يسمى عندهم بالدب وبالسمع، وهو ذو أنياب يفترس الرجل ويأكله، ولا يشبه الأسد، ولا الذئب، ولا النمر، ولا شيئًا مما يعرفه العرب، ولا نعلمه خلق بغير بلاد الأندلس، فهذا لا يذهب أحد إلى أنه ليس مندرجًا في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب، بل شمله النهي،كما شمل غيره مما تعاهده العرب وعرفوه؛ لأن الحكم نيط بالعموم وعلق به، فهو معلق بكل فرد من أفراده، حتى بما كان لم يخلق ألبتة وقت الخطاب، ثم خلق شكلًا مباينًا لسائر الأشكال ذوات الأنياب، فيندرج فيه ويحكم بالنهي عنه" [1] ."

(1) البحر المحيط 1/ 692.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت