كما أن القول بالتخصيص بالعرف محل نظر، وفيه خلاف بين الأصوليين، فها هو الشيرازي [1] يقول:"وأما العرف أو العادة فلا يجوز تخصيص العموم به؛ لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع في قول بعض الناس على حسب المصلحة، وفي قول الباقين على ما أراد الله تعالى، وذلك لا يقف على العادة" [2] .
وأما سلوك القول بالنسخ في هذه المسألة فبعيد، ويمكن مناقشته بما يلي:
1 -أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا غير متعذر، وقد سبق بيانه.
2 -أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تحقق التعارض، وفي هذه المسألة لا تنافي بين قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} وما يماثلها من الآيات وبين الأحاديث التي تدل على إباحة أكل أنواع من الميتة، كميتة البحر من الحيتان والأسماك، وأكل ميتة الجراد؛ لأن هذه الآيات عامة مخصصة بالسنة، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.
قال ابن الجوزي:"وهذا القول باطل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى بالتخصيص ما ذكره في الحديث، ولا وجه للنسخ بحال" [3] .
وبهذا يندفع ما يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة في هذه المسألة، ولله الحمد والمنة.
(1) الشيرازي هو: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي، جمال الدين أبو إسحاق، الشيخ الإمام مضرب المثل في الفصاحة والمناظرة، فقيه شافعي أصولي، له اللمع، والتبصرة، والمهذب، والتنبيه وغيرها، توفي سنة (476 هـ) . انظر: النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 5/ 117، شذرات الذهب لابن العماد 2/ 349.
(2) اللمع في أصول الفقه ص 37.
(3) نواسخ القرآن 1/ 215.