وقد نفى أكثر أهل العلم ما يتوهم من التعارض في هذه المسألة من أصله حيث إن تحريم الدم ورد مطلقًا في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} [آية: 173] ، وفي سورة المائدة في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... الآية} [آية: 3] ، وفي سورة النحل في قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ... الآية} [آية: 115] ، وجاء تحريمه مقيدًا بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... الآية} [الأنعام:145] ، فيحمل المطلق من هذه الآيات على المقيد إجماعًا؛ لاتحاد الحكم والسبب [1] ، فلا يحرم من الدم إلا ما كان مسفوحًا.
قال القرطبي:"ذكر الله سبحانه وتعالى الدم هاهنا مطلقًا، وقيده في الأنعام بقوله: {مَسْفُوحًا} [الأنعام:145] وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعًا، فالدم هنا - يعني في آية البقرة - يراد به المسفوح" [2] .
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 79، المنخول للغزالي ص 177، روضة الناظر (نزهة الخاطر العاطر 1/ 192) الإحكام للآمدي 3/ 6، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/ 222، كشف الأسرار على أصول البزدوي للبخاري 2/ 289 - 290، إرشاد الفحول للشوكاني 2/ 6، المطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء للصاعدي ص 226 - 230.
(2) الجامع لأحكام القرآن 2/ 222. وانظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 79، فتح القدير للشوكاني
1/ 169،2/ 172، الدماء في الإسلام لعطية محمد سالم ص 44، 45.