فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 660

ويمكن أن يقال: إنه لم يحرم من الدم أصلًا إلا الدم المسفوح، كما جاء في آية الأنعام {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} ، وتكون الألف واللام في لفظ (الدم) في آية البقرة والمائدة والنحل للعهد؛ أي حُرِّم عليكم الدم المعهود عندكم تحريمه من قبل، وهو الدم الموصوف بكونه مسفوحًا [1] .

ويؤيد ذلك أن سورة الأنعام مكية، وسورتا البقرة والمائدة مدنيتان، وأما سورة النحل فهي وإن كانت مكية إلا أن الذي يظهر أن قوله تعالى فيها: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ... الآية} [آية: 115] ، متأخر في النزول عن آية الأنعام، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال بعدها في سياق المحرمات من المطعومات: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: 118] ، يعني بذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] .

قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: 118] :"يقول تعالى ذكره: وحرمنا من قبلك يا محمد على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام؛ وذاك: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} " [2] .

وعلى هذا فتحريم الدم في الآيات السابقة لا يتناول الكبد والطحال؛ لأنها ليست من الدم المسفوح الذي قيدت به الآيات المطلقة كما تقدم.

(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3/ 296.

(2) جامع البيان 14/ 391.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت