فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 660

وقد رد هذا التقدير غير واحد من أهل العلم، فقد قال الخطابي:"قلت:"لا يقتل مؤمن بكافر"كلام تام مستقل بنفعه، فلا وجه لتضمينه بما بعده، وإبطال حكم ظاهره، وحمله على التقديم والتأخير، وإنما يُفعل ذلك عند الحاجة والضرورة في تكميل ناقص، وكشف عن مبهم، ولا ضرورة بنا في هذا الموضع إلى شيء من ذلك، فأما تحديده ذكر المعاهد، وأنه لا يقتل ما دام مقيمًا على عهده، فإن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكرر البيان، وأن يظاهر بذكر الشيء مرة بعد أخرى؛ إشباعًا في البيان؛ وإفهامًا للمخاطبين بالكلام."

وقد يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لماّ أسقط القصاص عن المسلم إذا قتل كافرًا، احتاج إلى أن يؤكد حق دم المعاهد، فيجدد القول فيه؛ لأن ظاهر ذلك يوجب توهين حرمة دم الكفار، ولا يؤمن أن يكون في ذلك الإغراء بهم، فخشي إقدام المتسرع من المسلمين إلى دمائهم إذا أمن القود، فأعاد القول في حظر دمائهم؛ رفعًا للشبهة؛ وقطعًا لتأويل متأول، والله أعلم" [1] ."

وقال ابن حجر:"وتعقب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره، إذا جعلنا الجملة مستأنفة، ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح - أي طريق أبي جحيفة - على الجملة الأولى، ولو سُلّم أنها للعطف، فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه، وهو كقول القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرو، فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقًا أيضًا، بل المشاركة في أصل المرور" [2] .

وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

(1) معالم السنن 4/ 16. وانظر: المحلى لابن حزم 10/ 355، عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق أبادي 12/ 262.

(2) فتح الباري 12/ 261.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت