قال ابن عطية:"وذهبت فرقة ممن فسرها بـ (أين) إلى أن الوطء في الدبر جائز ... وقد ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصنف النسائي ، وغيره ، أنه قال:"إتيان النساء في أدبارهن حرام"- وذكر أحاديث أخرى - ثم قال: وهذا هو الحق المتبع ، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم ، بعد أن تصح عنه ، والله المرشد لا رب غيره" [1] .
دفع موهم التعارض:
لقد تقدم في تخريج الأحاديث التي تدل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن ، أن هناك من يضعف هذه الأحاديث ، وهناك من يحسنها ، فالقائلون بتضعيفها وعدم ثبوتها ينقسمون إلى فريقين ، فمنهم من يرى أن معنى قوله تعالى: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } أي حيث شئتم وأين شئتم ، فيندفع التعارض عندهم بين الآية وهذه الأحاديث بأن الأحاديث ليست بحجة ، ولا تقوى على معارضة الآية ، وتكون الآية عندهم دليلًا على إباحة إتيان النساء في الأدبار.
ومنهم من لا يرى أن معنى الآية كذلك ، وإنما يحمل الآية على معنى آخر ، ككيف شئتم ، أو من أي وجه شئتم بشرط أن يكون ذلك في القبل ، وهؤلاء لا يوجد عندهم تعارض بين الآية وهذه الأحاديث من الأصل ، دون النظر إلى درجة تلك الأحاديث من حيث الصحة والضعف.
وأما القائلون بتحسينها وصلاحيتها للاحتجاج ، فقد سلكوا مسلك الجمع بينها وبين هذه الآية ، على فرض أن معنى قوله تعالى فيها: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } أي حيث شئتم ، وأين شئتم ، وقالوا: إن الآية عامة بإباحة إتيان النساء في أي مكان من بدنها ، فيشمل ذلك إتيانها في قبلها من الأمام ، أو من الخلف ، وإتيانها في دبرها ، وغير ذلك ، وهذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم ، بتحريم إتيان النساء في أدبارهن ، ولا تعارض بين عام وخاص ، بل يحمل العام على الخاص.
(1) المحرر الوجيز 1/299، 300.