والمتأمل في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته يتضح له جليًا أنه عليه السلام لم يكره أحدًا على الدخول في الإسلام من بعثته إلى أن لقي ربه ، كما قال ابن القيم:"فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - استجاب له ، ولخلفائه بعده أكثر الأديان طوعًا واختيارًا ، ولم يكره أحدًا قط على الدين ، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله ، وأما من سالمه وهادنه ، فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه ؛ امتثالًا لأمر ربه سبحانه حيث يقول: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } ، وهذا نفي في معنى النهي ؛ أي لا تكرهوا أحدًا على الدين ... ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط ، وأنه إنما قاتل من قاتله ، وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده ، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال تعالى: { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } [ التوبة: 7 ] ، ولما قدم المدينة صالح اليهود ، وأقرهم على دينهم ، فلما حاربوه ونقضوا عهده ، وبدؤوه بالقتال قاتلهم ، فمنّ على بعضهم ، وأجلى بعضهم ، وقتل بعضهم ، وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين ،لم يبدأهم بقتال حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده ، فعند ذلك غزاهم في ديارهم ، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك ، كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق ، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله ، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم."
والمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكره أحدًا على الدخول في دينه البتة ، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا وطوعًا ، فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقًا" [1] ."
(1) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص 14.