فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 660

وبعد ذلك كله فإنه يترجح الأخذ بمسلك الجمع في هذه المسألة؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها.

وجميع أوجه الجمع السابقة محتملة، ويندفع بها ما قد يتوهم من التعارض بين الأحاديث التي يفهم منها جواز ربا الفضل والآيات والأحاديث التي تدل على تحريمه، إلا أن الجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو أن يحمل لفظ الربا في حديث أسامة - رضي الله عنه - على الربا الكامل والأغلظ والكثير؛ لأن هذا أسلوب شائع في اللغة العربية، فله نظائر في القرآن والسنة وكلام العرب، وهذا هو الوجه الثالث من أوجه الجمع.

ويحمل حديث أبي المنهال على بيع جنس بجنس آخر متفاضلًا، فإنه لا يكون فيه ربا إذا كان يدًا بيد؛ لأنه جاء التصريح باختلاف الجنس، في رواية أخرى عن أبي المنهال، والروايات يفسر بعضها بعضًا، كما سبق بيانه في الوجه الأول من أوجه الجمع، وبهذا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة.

وأما مسلك النسخ فيمكن أن يناقش بما يلي:

1 -أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، كما هو مقرر في علم أصول الفقه، والجمع هنا غير متعذر، فقد سبق ذكر أوجه الجمع.

2 -أنه يشترط للقول بالنسخ معرفة التاريخ حتى يُنسخ المتقدم بالمتأخر منهما، وفي هذه المسألة يبقى معرفة المتأخر من المتقدم مجرد احتمال، فغاية ما في حديث أبي المنهال أن الصحابة كانوا يتعاملون بربا الفضل عندما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وليس في الحديث ما يفيد إباحته، سيما وقد حُمل الحديث على اختلاف الجنسين؛ لتصريح الرواية الأخرى بذلك.

كما أن في أحاديث فضالة وأبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهم - المتقدمة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن معاملات ربوية في خيبر وبعدها، وليس فيها دلالة صريحة على أن ربا الفضل لم يحرم إلا في ذلك الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت