كما يدل لذلك أن في الأمة من لا يقدر على الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مثل المرضى والعاجزين ونحوهم [1] .
الوجه الثاني: أن المقصود من التبعيض في الآية الإشارة إلى أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل فرد من الأمة فرض كفائي، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم فإنهم يأثمون [2] .
قال البيضاوي:"خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسًا أثموا جميعًا، ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية" [3] .
الوجه الثالث: أن المقصود من التبعيض، وتنكير (أمة) في الآية الإشارة إلى قلة من يعنون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في كل زمان ومكان، ونظير ذلك قوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] ، فقد وجه الخطاب على نفس منكرة؛ تنبيهًا على قلة الناظر في معاده، كما قال ابن المنير [4] .
وبهذا يزول ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآية على هذا المعنى، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، ولله الحمد والمنة.
(1) انظر: التفسير الكبير للرازي 3/ 314، 315.
(2) انظر: التفسير الكبير للرازي 3/ 314، 315.
(3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 285، وانظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود 2/ 13.
(4) انظر: الانتصاف (الكشاف 1/ 406) .
وابن المنير هو: أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار بن أبي بكر الجذامي المالكي القاضي الشهير بابن المنير، كان إمامًا في النحو والأدب والأصول والتفسير، وله يد طولى في علم البيان والإنشاء، له الانتصاف حاشية على الكشاف، مات سنة (683 هـ) .
انظر: بغية الوعاة للسيوطي 1/ 384، طبقات المفسرين للداودي ص 65.