فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 660

الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} مجمل بالنسبة لمقدار الوصية، وهذا القدر من الاجمال، بينته السنة بحديث سعد - رضي الله عنه -، بأن لا يجاوز الموصي بالوصية الثلث [1] .

ثانيًا: مسلك النسخ:

ذهب الحازمي [2] ، وأبو حامد الرازي [3] إلى أن إطلاق الوصية في القليل والكثير في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} منسوخ بحديث سعد - رضي الله عنه:"الثلث والثلث كثير".

التوجيه والترجيح:

يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها، ولكون مذهب النسخ ضعيفًا كما سيأتي بيانه.

والجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو الوجه الأول من أوجه الجمع، وهو أن قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} مطلق يدل على جواز الوصية بقليل المال وكثيره، وهذا الإطلاق قيدته السنة، بعدم جواز الوصية بأكثر من الثلث، ولا تعارض بين مطلق ومقيد، بل يحمل المطلق على المقيد.

قال ابن حجر:"وفيه - أي حديث سعد - تقييد مطلق القرآن بالسنة؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فأطلق، وقيدت السنة الوصية بالثلث" [4] .

وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع، فلا يتنافى مع الوجه الأول، وبهما يزول ما يتوهم من التعارض بين الآية والحديث، سواء كانت الآية مطلقة قيدتها السنة، أو مجملة بينتها السنة، إلا أن الإطلاق في الآية أوضح.

وأما مسلك النسخ فيمكن مناقشته بما يلي:

(1) انظر: الرسالة للشافعي ص 30.

(2) انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 104.

(3) انظر: الناسخ والمنسوخ في الأحاديث ص 32.

(4) فتح الباري 5/ 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت