فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 660

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال يا رسول الله: تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم"، فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال:"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" [1] .

ومن ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [2] ، وغير ذلك من الأحاديث.

فلما كان الصحابة حريصين على الطاعات والاجتهاد في العمل، فلربما اعتذروا عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق، واستعماله له في نفسه، أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له، فكان يغضب من ذلك، ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به، فليس المقام مقام تزكية للنفس، وإنما هو إنكار وتصحيح لما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

(1) سبق تخريجه ص 190.

(2) أخرجه البخاري في النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم (5063) 7/ 2، ومسلم في النكاح، رقم (1401) 2/ 1020.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت