قال الزمخشري:"ويدخل فيها - أي الآية - كل من زكى نفسه، ووصفها بزكاء العمل، وزيادة الطاعة والتقوى، والزلفى عند الله، فإن قلت: أما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض"؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة، إ كذابًا لهم، إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان بين من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه، أو شهد له من لا يعلم" [1] .
والمتأمل في كثير من النصوص التي قد يفهم منها تزكية النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، يجد تلك النصوص تسير على هذا النسق، وتدخل في هذا النمط، ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول:"إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" [2] .
ومن ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أيضًا، قالت: صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخطب فحمد الله، ثم قال:"ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" [3] .
(1) الكشاف 2/ 90، 91. وانظر: التفسير الكبير للرازي 4/ 100، أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل للرازي ص 85، 86، البحر المحيط لأبي حيان 3/ 383، فتح الرحمن للأنصاري ص 116.
(2) أخرجه البخاري في الإيمان، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنا أعلمكم بالله"، رقم (20) 1/ 13.
(3) أخرجه البخاري في الأدب، باب من لم يواجه الناس في العتاب، رقم (6101) 8/ 26، ومسلم في الفضائل، رقم (2356) 4/ 1829.