ظاهر قوله تعالى في الآية: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يدل على أن النعم والمصائب، والخير والشر، والحسنات والسيئات، كلها من الله تعالى، وأنها واقعة بتقديره، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:"والشر ليس إليك"، يفيد عدم إضافة الشر إلى الله تعالى، فيكون بين الآية وهذا الحديث ما يوهم التعارض، وهو ما سيأتي دفعه إن شاء الله تعالى [1] .
دفع موهم التعارض:
إن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الخير والشر من الله عز وجل، وأنه تعالى مقدر وخالق كل منهما، بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية} [النساء: 78] ، كما يدل على ذلك عموم قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
وقد جاءت السنة بذلك في أحاديث عدة منها حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن جبريل عليه السلام، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال:"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" [2] .
وحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس [3] " [4] .
(1) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذا الحديث الطحاوي في شرح مشكل الآثار 4/ 222.
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، رقم (8) 1/ 36، 37.
(3) الكيس: هو العقل، والكيس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (كيس) .
(4) أخرجه مسلم في القدر، رقم (2655) 4/ 2045.