يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)
يَحتَمل لفظ الإمساك في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} من حيث اللغة إمساك الكلب للصيد وعدم أكله منه، وإمساكه وأكله منه، كما صرح بذلك الزجاج وغيره [1] ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فسر الإمساك شرعًا في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} بعدم أكل الكلب المعلم من الصيد، كما جاء في حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"فكل مما أمسكن عليكم، وإن قتلن إلا أن يأكل الكلب، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه".
فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإمساك قسمين، قسم أمسكه الكلب لصاحبه، وقسم أمسكه لنفسه وهو ما إذا أكل الكلب منه، فاقتضى ذلك أن الذي أمسكه الكلب لصاحبه، هو ما لم يأكل منه، وهو الذي يحل أكله، دون القسم الآخر.
قال الصنعاني:"إذا أكل - أي الكلب - حرم أكله، وقد عرفت أن من شرط المعلم أن لا يأكل، فأكله دليل على أنه غير كامل التعليم، وقد ورد في الحديث الآخر تعليل ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم:"فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه"، وهو مستفاد من قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فإنه فسر الإمساك على صاحبه بألا يأكل منه" [2] .
ويؤيد ذلك قوله في الآية والحديث:"أمسكن عليكم"بمعنى صدن لكم، ولو كان مجرد الإمساك - الذي يستوي فيه أكل الكلب منه، أو عدم الأكل - كافيًا؛ لما احتيج إلى زيادة (عليكم) [3] .
(1) انظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 150، المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 156.
(2) سبل السلام 4/ 170.
(3) انظر: المعلم بفوائد مسلم للمازري 3/ 42، فتح الباري لابن حجر 9/ 602.