فهاتان الآيتان تدلان على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم وسائر طعامهم، وليس فيهما الإذن بمطاعمتهم ومؤاكلتهم والجلوس معهم، والحديث لا يفهم منه عدم جواز إطعام الطعام للكفار؛ لانعدام صفة التقوى والورع فيهم، لما تقدم من الأدلة على جواز إطعام الطعام للمسلمين وغيرهم، وإنما فيه التحذير من صحبة من ليس بتقي، والزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة تؤدي إلى الخلطة، بل هي أوثق عرى المداخلة والمخالطة، فتقع الألفة والمودة في القلوب [1] .
ويؤيد ذلك نهيه في أول الحديث عن صحبة غير المؤمن فكأنه قال: لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا تخالط ولا تؤالف ولا تخالل إلا تقيًا، فأكل الطعام كناية عن دوام الصحبة وشدة المخالطة.
قال المناوي:"وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان؛ لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أطعم المشركين، وأعطى المؤلفة المئين، بل يطعمه ولا يخالطه" [2] .
هذا وإن كان الحديث على ظاهره في النهي عن إطعام غير الأتقياء، فقد سلك أهل العلم مسلك الجمع بينه وبين الآية، وذكروا في ذلك وجهين هما:
الوجه الأول: أن الحديث يحمل على طعام الدعوة والوليمة التي يحصل بها المجالسة والمؤاكلة والمخالطة والإكرام، دون طعام الحاجة، أو الإطعام بدون مجالسة ومؤاكلة، مما دلت الأدلة على جوازه كما تقدم.
وإلى هذا ذهب الخطابي [3] .
الوجه الثاني: أن الحديث يحمل على الندب والاستحباب.
(1) انظر: معالم السنن للخطابي 4/ 107، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي قاري 9/ 223، فيض القدير للمناوي 6/ 525.
(2) فيض القدير 6/ 525.
(3) انظر: معالم السنن للخطابي 4/ 107.