قال الرازي:"في قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] سؤال، وهو كيف يجمع بين ذلك، وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شُجَّ وجهه يوم أحد، وكسرت رباعيته؟."
والجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد يعصمه من القتل، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وثانيها: أنها نزلت بعد يوم أحد" [1] ."
الوجه الثالث: أن المراد بالعصمة في الآية العصمة من بين الناس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم.
وهذا الوجه ذكره البغوي [2] .
التوجيه والترجيح:
لقد تكفل الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحماية والحفظ، وضمن له العصمة والمنعة في قوله سبحانه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ، والذي يظهر أن هذه العصمة مرتبطة بتبليغ الرسالة، ويدل على ذلك سياق الآية، فصدرها أمر بتبليغ الرسالة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ، ثم قال بعد ذلك: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فيكون المعنى - والله تعالى أعلم: والله يعصمك من الناس عما يعيقك عن أداء مهمتك، ويحول بينك وبين تبليغ رسالة ربك.
ويؤيد ذلك أن من يستعرض ما لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأذى في سبيل الدعوة، سواءً أكان بالقول أم بالفعل، يتضح له جليًا أن ذلك لم يكن عائقًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن تبليغ الرسالة، أو حائلًا بينه وبين هداية البشرية.
(1) التفسير الكبير 4/ 401.
(2) انظر: معالم التنزيل ص 389.