وقد لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لقيه في سبيل الدعوة؛ رفعةً لدرجاته؛ ومن أجل أن تتأسى به الأمة، فإذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتحمل وصبر، ومضى في طريق الدعوة إلى الله.
وبهذا يندفع ما يتوهم من التعارض القرآن والسنة في هذه المسألة؛ مادام أن العصمة المذكورة في الآية مخصوصة بما يعيق عن تبيلغ الرسالة، وأما سائر الأذى فلم يعصم منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد جرى عليه منه ما سطرته كتب السنة والسيرة.
وأما أوجه الجمع التي سبق ذكرها فلا تخلو من نظر، فالوجه الأول وهو تخصيص العصمة بالمنعة من القتل تخصيص بلا دليل، ويشكل عليه ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعم الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري [1] من ذلك السم" [2] .
فهذا يفيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات متأثرًا بسم اليهود، فلم تحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - العصمة المطلقة من الأذى، بل حصل له العصمة عما يعيق تبليغ الرسالة.
وأما الوجه الثاني وهو أن آية العصمة نازلة بعد إصابة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، ففيه نظر؛ لعدم الجزم بتاريخ نزول الآية، وإن كان هذا الوجه قد يستقيم مع ما حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد؛ لأن الغزوة متقدمة، فيرد عليه ما لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك.
وأما الوجه الثالث فلا يخفى بعده، والله أعلم.
(1) الأبهر: هو عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد 1/ 73، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (أبهر) .
(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، رقم (4428) 6/ 9.