سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وبين هذه الأحاديث مسلك الجمع، وقالوا: إن الآية عامة في الأمر بحفظ اليمين، ويدخل في ذلك جميع صور حفظ اليمين، ومنها حفظ اليمين عن الحنث فيها؛ لئلا تحتاج إلى التكفير، وهذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم، بجواز الحنث في اليمين إذا رأى الحالف أن غير اليمين خير من المضي فيها، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.
وهذا الوجه من الجمع صرح به الرازي قائلًا:"قال تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وفيه وجهان: الأول: المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها ... والثاني: واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث؛ لئلا تحتاجوا إلى التكفير، واللفظ محتمل للوجهين، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصًا بقوله عليه السلام:"من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خير، ثم ليكفر عن يمينه"" [1] .
وهذا الوجه هو الذي يفهم من كلام البغوي [2] ، والزمخشري [3] ، والبيضاوي [4] ، والسعدي [5] .
قال البغوي:"وقيل: وهو الأصح، أراد به إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث، هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب، أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فالأفضل أن يُحنث نفسه ويكفر، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - المتقدم" [6] .
وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وبين هذه الأحاديث على الإطلاق، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 4/ 423.
(2) انظر: معالم التنزيل ص 396.
(3) انظر: الكشاف 2/ 288.
(4) انظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 459.
(5) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 242.
(6) معالم التنزيل ص 396.