فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 660

قال ابن جرير:"وأولى هذه الأقوال، وأصح التأويلات عندنا، بتأويل هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فيها، وهو: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الزموا العمل بطاعة الله، وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه، {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأديتم في مَنْ ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد، ومنعه منه، فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه" [1] .

وقد ضعف الرازي الوجه الثاني، وهو إن العمل بهذه الآية لم يأت بعد، وإنما يكون في زمن محدد، وذلك حينما تظهر العلامات المذكورة في الحديث، ويتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقبل من القائم به، وقال:"وهذا القول عندي ضعيف؛ لأن قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب عام، وهو أيضًا خطاب مع الحاضرين، فكيف يخرج الحاضر، ويخص الغائب" [2] .

وقد أجاب عن ذلك القاسمي قائلًا:"أقول: ليس مراد ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما إخراج الحاضرين عن الخطاب، وأنه لم يعن بها إلا الغيّب، وإنما مرادهما الرد على من تأولها بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعلماه بأنه لا يسوغ الاستشهاد بها في ترك ذلك، والاسترواح لظاهرها إلا في الزمن الذي بيناه، وحاصله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ما قبلا، فإن ردا في مثل هذا الزمن، فليقرأ:"

{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} هذا مرادهما، والله أعلم" [3] ."

(1) جامع البيان 9/ 54.

(2) التفسير الكبير 4/ 448.

(3) محاسن التأويل 4/ 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت