تدل الآية الكريمة على أنه لو كان أمر وقوع العذاب الذي يطلبه المشركون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأوقعه بهم، والحديث يفيد أنه عُرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وطلب عدم إهلاكهم [1] .
دفع موهم التعارض:
لقد وصف الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في القرآن أنه رحمة للعالمين جميعا، ولم يصف بذلك غيره من الأنبياء، فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وامتن سبحانه على هذه الأمة بإرساله إليهم رسولًا من جنسهم، ويتحدث بلغتهم، وجعله رؤوفًا رحيمًا بهم فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] ، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] .
وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين، قال:"إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" [2] .
ومن مظاهر رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمته ما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم، حين عُرض عليه إهلاك قومه، واستئصالهم لمّا لم يستجيبوا لدعوته، وآذوه، فاختار عدم إهلاكهم، وسأل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئًا.
(1) وقد ذكر ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث ابن كثير في تفسيره 3/ 264. وانظر: محاسن التأويل للقاسمي 4/ 379، أضواء البيان للشنقيطي 2/ 148.
(2) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، رقم (2599) 4/ 2006.