فهرس الكتاب
الوجه العاشر: أن التعذيب الوارد في الحديث ليس بسبب بكاء أهل الميت عليه، وإنما هو بسبب ذنوب الميت، لكن البكاء من أهله، والتعذيب بسبب ذنوبه، يكونان في الغالب عند قرب العهد بالموت، وإدخال الميت في لحده، ثم يدوم من العذاب ما يدوم، فيكون العذاب واقعًا حال البكاء، لكن ليس بسببه، وعلى هذا فالباء في قوله:"ببكاء أهله عليه"للحال، فيصير معنى الحديث: إن الميت يعذب حال بكاء أهله عليه.
وهذا الوجه قال به بعض أهل العلم [1] .
واستدل من قال بهذا الوجه بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" [2] [3] .
(1) انظر: معالم السنن للخطابي 1/ 264، المعلم بفوائد مسلم للمازري 1/ 324، كشف المشكل لابن الجوزي 1/ 58، شرح النووي لصحيح مسلم 6/ 229، فتح الباري لابن حجر 3/ 154، شرح الصدور للسيوطي ص 385، نيل الأوطار 4/ 157.
(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم (3978) 5/ 77.
(3) وهناك من رجح الأحاديث التي تنفي أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه على الأحاديث التي تثبت ذلك، وممن ذهب إلى هذا عائشة رضي الله عنها، والشافعي والباقلاني.
وعللوا لذلك بأمور:
1 -أن الأحاديث المثبتة لتعذيب الميت ببكاء أهله عليه تعارض قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
2 -أن رواة هذه الأحاديث قد أخطؤوا أو نسوا ولم يحفظوا، أوأنهم سمعوا بعض الحديث ولم يسمعوا بعضه الآخر.
3 -أن الأحاديث المثبتة لتعذيب الميت ببكاء أهله مجملة، والأحاديث النافية لذلك مفسرة، والمفسر أولى من المجمل.
وعلى هذا فمن رجح الأحاديث النافية على الأحاديث المثبتة فليس عنده تعارض بين قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والأحاديث التي تثبت تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. راجع في ذلك ما يلي: اختلاف الحديث للشافعي ص 225، سنن الترمذي 3/ 328، معالم السنن للخطابي 1/ 264، التمهيد لابن عبد البر
17/ 279، كشف المشكل لابن الجوزي 1/ 56، مجموع الفتاوى 24/ 370، فتح الباري لابن حجر 3/ 154، نيل الأوطار للشوكاني 4/ 157.