فهرس الكتاب
وقد رام بعض أهل العلم التوفيق بين قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهذا الحديث، على القول بصحته، فسلكوا مسلك الجمع بينهما، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:
الوجه الأول: أن الحديث من العام الذي يراد به الخصوص، فهو عام في ولد الزنا، لكن أريد به خصوص ولد الزنا الفاجر الخبيث؛ لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، أما ولد الزنا الصالح فغير معني بهذا الحديث، وعلى هذا فلم يحرم ولد الزنا الخبيث الجنة بفعل والديه، بل بفعله وذنبه، فلا تعارض بين الآية والحديث.
وإلى هذا ذهب ابن القيم [1] .
الوجه الثاني: أن الحديث ليس على إطلاقه، بل المراد منه لا يدخل ولد الزنا الجنة إذا عمل بمثل عمل أبويه [2] .
الوجه الثالث: أن المراد بولد الزنا في الحديث الزاني الذي يواظب على الزنا، سمي بذلك؛ لملازمته الزنا، كما يقال للشجعان بنو الحرب، وللشهود بنو الصحف، ولأولاد المسلمين بنو الإسلام، وللمسافرين بنو السبيل [3] .
الوجه الرابع: أن المراد بالحديث لا يدخل ولد الزنا الجنة بعمل أبويه؛ لأنه منقطع النسب عن أبيه، وأما أمه فشؤم زناها وإن صلحت يمنع من وصول بركة صلاحها إليه، بخلاف ولد الرشد فإنه إذا مات طفلًا، وأبواه مؤمنان ألحق بهما، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور:21] .
وهذا الوجه نسبه غير واحد إلى الرافعي [4] .
(1) انظر: المنار المنيف ص 133.
(2) انظر: كشف الخفاء للعجلوني 2/ 501، فيض القدير 4/ 563.
(3) انظر: كشف الخفاء 2/ 501. المقاصد الحسنة للسخاوي ص 549.
(4) انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق 2/ 228، المقاصد الحسنة للسخاوي ص 549، اللآلي المصنوعة للسيوطي 2/ 164، فيض القدير للمناوي 4/ 563. ... ... ... ... ... ... =
=والرافعي هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين القزويني، أبو القاسم الرافعي، له الشرح الكبير المسمى بالفتح العزيز في شرح الوجيز، وشرح مسند الشافعي، كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، وأما الفقه فهو فيه عمدة المحققين.
انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 281، شذرات الذهب لابن العماد 3/ 108.