فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 680

2853 - (خ) عن عائشةَ قالتْ: لم أُدْرِكْ أبويَّ إلا وهما يدينانِ الدِّينَ ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتِيْنَا فيهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَي النَّهارِ بُكرةً وعَشِيَّةً، فلما ابتُلي المسلمونَ خرجَ أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرضِ الحَبَشَةِ حتى إذا بلغَ بَرْكَ الغِمَادِ لقيَهُ ابنُ الدَّغِنَّةِ وهو سيدُ القَارَةِ، فقالَ: أينَ تريدُ يا أبا بكرٍ؟ فقالَ أبو بكرٍ: أخرجَني قومِي فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ فأعبدَ رَبِّي، فقالَ ابنُ الدَّغِنَّةِ: فإنَّ مثلَكَ يا أبا بكرٍ لا يَخْرِجُ ولا يُخْرَجُ إنَّكَ تُكْسِبُ المعدومَ وتصلُ الرَّحِمُ وتحمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيفَ، وتعينُ على نوائبِ الحَقِّ، فأنَا لكَ جارٌ ارجِعْ فاعبُدْ رَبَّكَ ببلدِكَ، فرجعَ وارتحَلَ

ص 492

معهُ ابنُ الدَّغِنَّةِ، فطافَ ابنُ الدَّغِنَّةِ في أشرافِ كفَّارِ قريشٍ، وقالَ لهم: إنَّ أبا بكرٍ لا يخرَجُ مثلُهُ، أتخرجُوْنَ رجُلًا يُكْسِبُ المعدومَ ويصلُ الرَّحِمَ ويحمِلُ الكَلَّ ويَقرِي الضَّيفَ ويُعينُ على نوائبِ الحَقِّ، فلم تُكَذِّبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنَّةِ. _وفي روايةٍ: فأَنْفَذَتْ قريشٌ جوارَ ابنِ الدَّغنةِ، وآمنُوا أبا بكرٍ _ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَّةِ: مُرْ أبا بكرٍ فليَعْبُدْ ربَّهُ في دارِهِ وليُصَلِّ فيها وليقرأْ ما شاءَ، ولا يُؤذِنَا بذلكَ ولا يَسْتَعْلِنْ بهِ، فإنَّا نخشى أن يَفْتِنَ نساءَنَا وأبنَاءَنَا، فقالَ ذلكَ ابنُ الدَّغنَّةِ لأبي بكرٍ، فلبثَ أبو بكرٍ بذلكَ يعبدُ ربَّهُ في دارِهِ، ولا يَسْتَعْلِنُ بصلاتِهِ ولا يقرأُ في غيرِ دارِهِ ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مَسْجِدًَا في فِنَاءِ دارِهِ وكانَ يصلِّي فيِه، [ويقرأُ القرآنَ] ، فيَتَقَصَّفُ عليهِ نساءُ المشركينَ وأبناؤُهُم، وهم يعجبُونَ منهُ وينظرونَ إليهِ، وكانَ أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يَمْلِكُ عينيهِ إذا قرأَ القرآنَ فأفزعَ ذلكَ أشرافَ قريشٍ من المشركيَن، فأرسلُوا إلى ابنِ الدَّغِنَّةِ فقَدِمَ علَيهم، وقالُوا: إنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أبا بكرٍ بجوارِكَ على أن يعبُدَ ربَّهُ في دارِهِ، فقد جاوزَ ذلكَ فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِهِ فأعلنَ بالصَّلاةِ والقراءةِ فيهِ، وإنَّا قد خَشينا أن يفتنَ نساءَنَا وأبناءَنَا، فائتهِ، فإنْ أحبَّ أن يقتصرَ على أن يعبدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَعَلَ، وإن أبى إلا أن يُعلنَ بذلكَ فاسألْهُ أن يَرُدَّ عليكَ ذِمَّتَكَ فإنَّا قد كَرِهْنَا أن نُخْفِرَكَ ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاستعلانَ، قالَتْ عائشةُ: فأتى ابنُ الدَّغِنَّةِ إلى أبي بكرٍ فقالَ: قد علمتَ الذي عَقَدْتُ لكَ عليهِ، فإمَّا أن تقتصرَ على ذلكَ وإمَّا أن تُرْجِعَ إليَّ ذِمَّتي، فإنِّي لا أُحِبُّ أن تسمعَ العربُ أنِّي أخفرُت في رجلٍ عَقَدْتُ لهُ، فقالَ أبو بكرٍ: فإنِّي أَرُدُّ عليكَ جِوَارَكَ وأرضى بجوارِ اللهِ والنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بمكَّةَ، فقالَ النَّبيُّ للمسلمينَ: (إنِّي أُرِيْتُ دارَ هِجْرَتِكُمْ، سبخةً ذاتَ نخلٍ بين لابتينِ) وهما الحَرَّتانِ، فهاجَرَ من هَاجَرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجعَ عامَّةُ من كانَ هاجرَ بأرضِ الحبشَةِ إلى المدينةِ، وتجهَّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (على رِسْلِكَ، فإنِّي أرجُو أن يُؤْذَنَ لي) فقالَ أبو بكرٍ: وهل ترجو ذلكَ بأبي أنت؟ قالَ: (نعم) فحَبَسَ أبو بكرٍ نفسَهُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعلفَ راحلتينِ كانَتَا عندَهُ ورقَ السَّمُرِ وهو الخَبْطُ، أربعةَ أشهرٍ.

قالَ ابنُ شهابٍ: قالَ عروةُ: قالَتْ عائشةُ: فبينما نحنُ يومًا جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظَّهيرةِ، قالَ قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسولُ اللهِ مُتَقَنِّعًَا في ساعةٍ لم يكن يأتِيْنَا فيها، فقالَ أبو بكرٍ: فداءً لهُ أبي وأُمِّي، واللهِ ما جاءَ بهِ في هذهِ السَّاعَةِ إلا أمرٌ، قالَتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستأذَنَ، فأُذِنَ لهُ فَدَخَلَ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

ص 493

لأبي بكرٍ: (أخْرِجْ مَنْ عِنْدِكَ) .

فقالَ أبو بكرٍ: إنَّما هُمْ أُهْلُكَ بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ، قالَ: (فإنِّي قد أُذِنَ لي في الخروجِ) فقالَ أبو بكرٍ: الصحابَةُ بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ: (نَعَم) قالَ أبو بكرٍ: فخُذْ _ بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ _ إحدى رَاحِلَتَيَّ هاتينِ، فقالَ رسولُ اللهِ: (بالثَّمَنِ) قالَتْ: فجهَّزنَاهُما أَحَثَّ الجِّهَازِ، وصَنَعْنَا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ، قطعَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِهَا فربَطَتْ بهِ على فمِ الجِّرَابِ فبذلكَ سُمِّيَتْ ذاتَ النَّطَاقَينِ، قالَتْ: ثم لَحِقَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلِ ثورٍ، فمكثا فيهِ ثلاثَ ليالٍ يبيتُ عندَهُما عبدُ اللهِ بن أبي بكرٍ وهو غلامٌ شابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، يَدَّلِجُ من عندِهِما ِبسَحَرٍ فيُصبحُ مع قريشٍ بمكَّةَ كبائتٍ فلا يسمعُ أمرًا يُكَادَانِ بهِ إلَّا وعاهُ حتى يأتيهُما بخبرِ ذلكَ حينَ يختلطُ الظَّلامُ، ويرعى عَليهما عامِرُ بن فُهَيْرَةَ مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً من غنمٍ، فيُريحها عليهما حين يذهبُ ساعةً من العشاءِ فيبيتانِ في رِسْلٍ وهو لبنُ مِنْحَتِهِمَا ورَضِيْفِهَما، حتى ينعقَ بها عامرُ بن فُهيرةَ بغلَسٍ، يفعلُ ذلكَ في كُلِّ ليلةٍ من تلكَ اللَّيالي الثَّلاثِ، واستأجرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ رجُلًا من بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بن عديٍّ هادِيًا خِرِّيتًا، والخِرِّيْتُ الماهرُ بالهِدَايَةِ، قد غَمَسَ حِلْفًَا في آلِ العاصِ بن وائلٍ السَّهْمِيِّ، وهو على دينِ كُفَّارِ قريشٍ فأَمَنَّاهُ فدَفَعا إليهِ راحلتَيْهِمَا وواعَدَاهُ غارَ ثورٍ بعدَ ثلاثٍ براحلتيهما فأتَاهما صبحَ ثلاثٍ، فارْتَحلا وانطلقَ معهُما عامرُ بن فُهيرةَ والدَّليلُ الديليُّ، فأخذَ بهم طريقَ السَّوَاحِلِ. [خ¦3905]

وفي روايةٍ: طريقَ السَّاحِلِ. [خ¦2263]

قالَ ابنُ شهابٍ: وأخبرَني عبدُ الرَّحمنِ بن مالكٍ المُدْلَجِيُّ _وهو ابنُ أخي سُراقَةَ بن جُعْشُمٍ _ أنَّ أباهُ أخبرَهُ أنَّهُ سمعَ سُراقَةَ بن جُعْشُمٍ يقولُ: جاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قريشٍ، يجعلونَ في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ ديةَ كُلِّ واحدٍ منهُما لمن قتلَهُ أو أَسَرَهُ، فبينَا أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالسِ قومِي بني مُدْلِجٍ أقبلَ رجلٌ منهم، حتى قامَ علَيْنَا ونحنُ جلوسٌ، فقالَ يا سُرَاقَةُ: إنَّي قد رأيتُ آنفًا أَسْوِدَةً بالسَّاحِلِ، أراهَا محمَّدًا وأصحابَهُ، قالَ سُرَاقَةُ: فعرفتُ أنَّهُمْ هُمْ، فقلتُ لهُ: إنَّهم ليسُوا بهم ولكنَّكَ رأيتَ فلانًا وفلانًا، انطلقُوا بأَعْيُنِنَا، ثم لبثتُ في المجلسِ ساعةً ثم قمتُ فدخلْتُ، وأمرتُ جارِيتي أن تخرُجَ بفرسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ فتَحْبِسُهَا عليَّ، فأخذتُ رُمحي فخرجتُ به من ظَهْرِ البيتِ، فحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأرضَ وخَفَّضْتُ عاليَهُ، حتى أتيتُ فرَسِي فركبتُها فرفعتُها تُقَرِّبُ بي حتى دنوتُ منهم، فعثرَتْ بي فرسي فَخَرَرْتُ عنها، فقمتُ فأهويتُ بيدي إلى كنانَتي، فاستخرجتُ منها الأزلامَ

ص 494

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت