فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 680

فاستقسمتُ بها: أَضُرُّهُمْ أم لا؟ فخرجَ الذي أكرَهُ فركبتُ فَرَسِي، وعصيتُ الأزلامَ تُقَرِّبُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفتُ، وأبو بكرٍ يُكْثِرُ الالتفاتَ، ساخَتْ يدا فَرَسِي في الأرضِ حتَّى بَلَغَتَا الرُّكبتينِ، فخَرَرْتُ عنها ثم زَجَرْتُهَا فنهضَتْ، فلم تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فلمَّا استوتْ قائمةً إذا لأثرِ يدَيها عُثَانٌ ساطعٌ في السَّماءِ مثلُ الدُّخانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزلامِ فخرجَ الذي أكرَهُ، فنَادَيْتُهُم الأمانَ فوَقَفُوا فركبتُ فَرَسِي حتى جِئْتُهُم، ووقعَ في نفسي حينَ لقيتُ ما لقيتُ من الحبسِ عنهم، أنَّ سيظهرُ أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لهُ: إنَّ قَوْمَكَ قد جعلُوا فيكَ الدِّيَةَ وأَخْبَرتُهُم أخبارَ ما يريدُ النَّاسُ بهم وعرضتُ عليهم الزَّادَ والمتاعَ، فلم يرزآني ولم يسألاني، إلا أن قالَ: (أَخْفِ عَنَّا) فسألتُهُ أن يكتبَ لي كتابَ أمنٍ، فأمرَ عامرَ بن فُهَيْرَةَ فكتبَ لي في رُقعةٍ من أَدَمٍ، ومَضَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قالَ ابنُ شهابٍ: فأخبرَني عروةُ بن الزُّبيرِ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ الزُّبيرَ في ركبٍ من المسلمينَ، كانُوا تُجَّارًا قافلينَ من الشَّامِ فكَسَا الزُّبيرُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ، وسمعَ المسلمونَ بالمدينَةِ بمخرَجِ رسولِ اللهِ من مَكَّةَ، فكانُوا يَغْدُوْنَ كُلَّ غَدَاةٍ إلى الحَرَّةِ، فينتظرونَهُ حتى يَرُدُّهُمْ حُرُّ الظَّهيرةِ، فانقلبُوا يومًا بعدَمَا أطالُوا انتظارَهُم فلمَّا أَوَوْا إلى بُيوتهم أوفى رجلٌ من اليهودِ على أُطْمٍ من آطامِهِم لأمرٍ ينظرُ إليهِ، فبصرَ برسولِ اللهِ وأصحابَهُ مُبَيَّضِيْنَ يزولُ بهم السَّرَابُ، فلم يملكِ اليهوديُّ أن قالَ بأعلى صوتِهِ: يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكُمْ الذي تنتظرونهُ فثارَ المسلمونَ إلى السِّلاحِ، فتلقَّوْا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بظهرِ الحَرَّةِ، فعدلَ بهم ذاتَ اليمينِ، حتى نزلَ بهم في بني عمرِو بن عوفٍ، وذلكَ يومَ الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ، فقامَ أبو بكرٍ للنَّاسِ وجلسَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صامتًا، فَطَفِقَ من جاءَ من الأنصارٍ، ممَّنْ لم يرَ رسولَ اللهِ يُحَيِّى أبا بكرٍ، حتى أصابَتِ الشَّمسُ رسولَ اللهِ فأقبلَ أبو بكرٍ حتى ظَلَّلَ عليهِ بردائِهِ، فعرفَ النَّاسُ رسولَ اللهِ عندَ ذَلِكَ، فلبثَ رسولُ اللهِ في بني عمرِو بن عوفٍ تسعَ عشرةَ ليلةً، وأسَّسَ المسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوى وصلَّى فيهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثم رَكِبَ راحلتَهُ، فسارَ يمشي معهُ النَّاسُ حتَّى بركَتْ عندَ مسجدِ الرَّسولِ بالمدينةِ، وهو يصلِّي فيهِ يومئذٍ رجالٌ من المسلمينَ، وكانَ

ص 495

مِرْبَدًَا للتَّمرِ لسهلٍ وسهيلٍ غُلامين يتيمينِ في حِجْرِ أسعدِ بن زُرَارَةَ، فقالَ رسولُ اللهِ حين بركَتْ به راحلتُهُ: (هذا إنْ شاءَ اللهُ المنزلَ) ثم دعا رسولُ اللهِ الغُلامين فسَاوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ ليتَّخذَهُ مَسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لكَ يا رسولَ اللهِ، [فأبى رسولُ اللهِ أن يقبلَهُ منهُما هبةً حتى ابتاعَهُ منهُما] ثم بناهُ مَسجدًا، وطَفِقَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ينقُلُ معهم اللَّبِنَ في بُنيانِهِ ويقولُ، وهو ينقُلُ اللَّبِنَ:

هذا الحِمالُ لا حمالُ خيبرْ هذا أَبَرُّ رَبَّنا وأَطْهَرْ

ويقولُ:

اللَّهُمَّ إنْ الأجرَ أجرُ الآخرَهْ فارْحَمِ الأنصارَ والمهاجِرَهْ

فتمثَّلَ بشعرِ رجلٍ من المهاجرينَ لم يُسَمَّ لي.

قالَ ابنُ شِهَابٍ: ولم يبلغْنَا في الأحاديثِ: أنَّ رسولَ اللهِ تَمَثَّلَ ببيتِ شعرٍ تامٍّ، غيرَ هذهِ الأبياتِ. [خ¦3906]

وفي روايةٍ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ: (اخرجْ من عِنْدَكَ) فقالَ: إنَّما هما ابنتايَ فقالَ: (أشعرْتَ أنَّهُ قد أُذِنَ لي في الخروجِ) فقالَ لي: يا رسولَ اللهِ الصُّحْبَةُ، فقالَ النَّبيُّ: (الصُّحْبَةُ) فقالَ: يا رسولَ اللهِ عندي ناقتانِ قد كنتُ أَعْدَدْتُهُمَا للخروجِ، فأعطى النَّبيَّ إحداهُما _وهي الجَّدعاءُ _ فخرجَ معهُمَا عامرُ بن فُهيرةَ _وكانَ أخو عائشةَ لأُمِّهَا _ فخرجَا يعقبانِهِ حتى قَدِمَا المدينةَ، فقُتِلَ عامرُ بنُ فُهيرةَ يومَ بئرِ مَعُوْنَةَ.

قالَ هشامٌ: فأخبرَني أبي قالَ: لما قُتِلَ الذينَ ببئرِ معونةَ وأُسِرَ عمرُو بن أُمَيَّةَ الضَّمريُّ، قالَ لهُ عامرُ بن الطُّفيلِ: مَنْ هذا؟ وأشارَ إلى قتيلٍ، فقالَ له عمرُو بن أُمَيَّةَ: هذا عامرُ بن فُهَيْرةِ، فقالَ: لقد رأيتُهُ _بعدَمَا قُتِلَ _ رفعَ إلى السَّماءِ، حتى إني لأنظرُ إلى السَّماءِ بينَهُ وبينَ الأرضِ ثم وُضِعَ، فأتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خبرُهُم فنعَاهُمْ، فقالَ: (إنَّ أصحَابَكُم قد أُصيبوا، وإنَّهم قد سألوا ربهم فقالُوا: أخبِرْ عَنَّا إخوانَنَا بما رَضِيْنَا عنكَ ورضيتَ عَنَّا) فأخبرَهُم عنهم، وأُصِيْبَ فيهم يومئذٍ عروةُ بن أسماءَ بن الصَّلْتِ ومنذرُ بن عمرٍو. [خ¦4093]

2854 - (خ م) عن البراءِ بن عازبٍ قالَ: جاءَ أبو بكرٍ إلى أبي في منزلِهِ، فاشترى منهُ رَحْلًا، فقالَ لعازبٍ: ابعثْ معي ابنَكَ يحملُهُ معي إلى مَنزلي، فقالَ أبي: احْمِلْهُ فحملتُهُ، وخرجَ أبي معَهُ ينتقدُ ثمنَهَ، فقالَ له أبي: يا أبا بكرٍ! كيفَ صنعْتَ ليلةَ خرجْتَ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: نعم، أَسْرَيْنَا ليلتَنَا كُلَّها حتى قامَ قائمٌ الظَّهيرةِ، وخلا الطَّريقُ فلا يَمُرُّ فيهِ أحدٌ، حتى رُفِعَتْ لنا صخرةٌ طويلَةٌ لها ظلٌّ لم تأتِ عليهِ الشَّمْسُ بعدَ

ص 496

فنَزلْنَا عندَهَا، فأتيتُ الصَّخرةَ فسوَّيْتُ بيدِي مكانًا ينامُ فيهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ظِلِّهَا ثم بَسَطْتُ عليهِ فروةً، ثم قلتُ: نَمْ يا رسولَ اللهِ! وأنا أنفضُ لكَ ما حولَكَ فنامَ، وخرجتُ أنفُضُ ما حولَهُ، فإذا أنا براعٍ مقبلٍ بغنمِهِ إلى الصَّخرةِ يريدُ منها الذي أَرَدْنَا، فلقيتُهُ فقلتُ: لمن أنتَ؟ يا غلامُ! فقالَ: لرجلٍ من أهلِ المدينَةِ، فقلتُ: أفي غنمِكَ لبنٌ؟ قالَ: نعم، قلتُ: أفتحلِبُ لي؟ قالَ: نعم، فأخذَ شاةً. فقلتُ: انفِضِ الضَّرعَ من الشَعَرِ والتُّرابِ والقَذَى _قالَ: فرأيتُ البراءَ يضرِبُ بيدِهِ على الأُخرى ينفُضُ _ فحلبَ في قَعْبٍ معهُ، كُثْبَةً من لبنٍ، قالَ: ومعي إداوةٌ أرتوِي فيها للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ليشربَ منها ويتوضَّأَ، قالَ: فأتيتُ النَّبيَّ وكرهتُ أن أُوْقِظَهُ من نومِهِ فوقفتُ حتَّى استيقظَ _ وفي روايةٍ: فوافيتُهُ حينَ استيقظَ _ فصببْتُ على اللَّبنِ من الماءِ حتى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! اشربْ من هذا اللَّبَنِ، قالَ: فشربَ حتى رضيتُ، ثم قالَ: (ألم يأنْ للرَّحيلِ؟) قلتُ: بلى، قالَ: فارْتَحَلْنَا بعدَمَا زالتِ الشَّمسُ، واتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بن مالكٍ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت