فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 396

اقْتِبَاسٌ وَإِشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: عَنْ بَعْضٍ إذَا هَمَّتْ النَّفْسُ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ انْبَعَثَتْ لِشَهْوَةٍ لَوْ تَشَفَّعْت إلَيْهَا بِاَللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بِرَسُولِهِ وَبِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِجَمِيعِ السَّلَفِ وَتُعْرِضُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَالْقَبْرَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَا تُعْطِي الِانْقِيَادَ وَلَا تَتْرُكُ الشَّهْوَةَ ثُمَّ اسْتَقْبَلْتهَا بِمَنْعِ رَغِيفٍ تَسْكُنُ وَتَتْرُكُ شَهْوَتَهَا (فَاتِّبَاعُ هَوَاهَا يُرْدِي) مِنْ الرَّدَى (وَيُهْلِكُ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَلْبَتَّةَ فَالْعَاقِلُ يُتَّهَمُ عَلَى مُخَالَفَةِ كُلِّ مَا تَمِيلُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ الْبُوصِيرِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ وَخَالِفْ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمْ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَدُورُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضٍ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَرْقَمَ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ قَالَ نَازَعَتْنِي نَفْسِي بِالْخُرُوجِ إلَى الْغَزْوِ فَقُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ - {إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} - وَهَذِهِ تَامُرُنِي بِالْخَيْرَاتِ قُلْت مُرَادُهَا الْخَلَاصُ مِنْ حَبْسِ الْوَحْدَةِ فَتَصِلُ إلَى الْخُلْطَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ بِالْأُلْفَةِ وَإِكْرَامِ الْخَلْقِ فَقُلْت لَهَا لَا أُنْزِلُك الْعُمْرَانَ أَبَدًا وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ أَحَدٍ فَأَجَابَتْ أَسَات الظَّنَّ وَقُلْت اللَّهُ أَصْدَقُ فَقُلْت أُقَاتِلُ الْعَدُوَّ مُقَدَّمًا عَلَى الْكُلِّ فَتُقْتَلُ فَأَجَابَتْ ثُمَّ عَدَّدْت أَشْيَاءَ فَأَجَابَتْ لِكُلٍّ ثُمَّ قُلْت يَا رَبِّ نَبِّهْنِي بِهَا، فَإِنِّي مُتَّهِمٌ لَهَا فَكُوشِفْت كَأَنَّ النَّفْسَ تَقُولُ يَا أَحْمَدُ أَنْتَ تَقْتُلُنِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ بِمَنْعِ شَهَوَاتِي وَبِمُخَالَفَةِ مُيُولَاتِي فَإِنْ قَاتَلْت قُتِلَتْ أَنَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَنَجَوْت مِنْ قَتَلَاتِكَ وَيَتَسَامَعُ النَّاسُ شَهَادَتِي فَيَكُونُ لِي ذِكْرًا وَشَرَفًا قَالَ فَقَعَدْت وَلَمْ أَخْرُجْ إلَى الْغَزْوِ فَانْظُرْ إلَى خِدَاعِهَا تَرْضَى إيقَاعَ نَفْسِهَا فِي التَّهْلُكَةِ بِمُجَرَّدِ رِيَاءٍ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ تَوَقَّ نَفْسَك لَا تَامَنْ غَوَائِلَهَا فَالنَّفْسُ أَخْبَثُ مِنْ سَبْعِينَ شَيْطَانَا. (أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُبَاحَاتِ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَظَاهِرٌ) إرْدَاؤُهُ وَإِهْلَاكُهُ مِنْ الْعِقَابِ وَالْعِتَابِ وَاسْتِحْقَاقِ حِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ (وَأَمَّا فِيهَا) فِي الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَاتِ (فَبَعْدَ كَوْنِهِ) أَيْ الْهَوَى (صِفَةً بَهِيمِيَّةً) مِنْ صِفَاتِ الْبَهَائِمِ مِنْ الرَّتْعِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ الشُّكْرِ (وَرُكُونًا) مَيْلًا (إلَى الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ) الْخَسِيسَةِ حَتَّى لَا تَعْدِلَ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَشُغْلًا شَاغِلًا عَنْ الطَّاعَةِ وَزَادِ الْآخِرَةِ) كَالتَّقْوَى فَإِنَّهَا خَيْرُ الزَّادِ (مُفْضٍ إلَى الْمَحْظُورِ) الْمَمْنُوعِ كَالْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا شَبِعَتْ بِالْمُبَاحَاتِ تُشَجِّعُ عَلَى الْمَمْنُوعَاتِ (وَجَارٌّ) بِالتَّشْدِيدِ مِنْ الْجَرِّ بِمَعْنَى الْجَذْبِ (إلَى الشُّرُورِ وَمُؤَدٍّ إلَى الْفُجُورِ) مِنْ الْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ (وَحِمًى) مِنْ حَمَيْته حِمَايَةً أَيْ دَفَعْت عَنْهُ وَهَذَا شَيْءٌ حِمًى عَلَى فَعَلٌ أَيْ مَحْظُورٌ لَا يُقْرَبُ وَأَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى وَفِي الْحَدِيثِ {لَا حِمَى إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} نَقَلَ عَنْ الصِّحَاحِ (لِلْحَرَامِ) كَمَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي قوله تعالى {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ اسْتَجَرَّهُ إلَى مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ وَالِانْهِمَاكِ فِيهِ وَارْتِكَابِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ حَتَّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ وَتَاخُذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ فَيَصِيرَ بِطَبْعِهِ مَائِلًا إلَى الْمَعَاصِي مُسْتَحْسِنًا إيَّاهَا مُعْتَقِدًا أَنْ لَا لَذَّةَ سِوَاهَا مُبْغِضًا لِمَنْ يَمْنَعُهُ عَنْهَا مُكَذِّبًا لِمَنْ يَنْصَحُهُ فِيهَا (وَمَاوًى) مَرْجِعًا (لِلْآلَامِ) مِنْ الْأَلَمِ (وَالْآثَامِ) مِنْ الْإِثْمِ (وَصَاحِبُهُ) صَاحِبُ هَوَى النَّفْسِ فِي الْمُبَاحَاتِ (خَسِيسٌ دَنِيءٌ) أَيْ خَبِيثُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مَاجِنٌ كَمَا نَقَلَ عَنْ الْقَامُوسِ (لَئِيمٌ) مِنْ اللُّؤْمِ ضِدُّ الْكَرَمِ (رَذِيلٌ بَلْ هُوَ خِنْزِيرُ الشَّهْوَةِ) أَيْ شَهْوَتُهُ الَّتِي هِيَ كَشَهْوَةِ الْخِنْزِيرِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ كَلُجَيْنِ الْمَاءِ أَوْ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ (خَادِمٌ مُطِيعٌ وَعَبْدٌ ذَلِيلٌ وَأَنْشَدُوا) أَيْ الْعُلَمَاءُ (نُونُ الْهَوَانِ) بِمَعْنَى الذُّلِّ وَالْحَقَارَةِ (مِنْ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ) أَيْ أَصْلُ الْهَوَى الْهَوَانُ فَأُخِذَتْ النُّونُ مِنْهُ وَوُضِعَتْ فِي الْهَوَانِ (فَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى) أَيْ مَصْرُوعُ كُلِّ هَوَى النَّفْسِ (صَرِيعُ هَوَانٍ) مَصْرُوعُ ذِلَّةٍ وَحَقَارَةٍ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى يَغْلِبْ عَلَيْهِ الْهَوَانُ وَالذِّلَّةُ فَيَصِيرُ مُسْتَقْبَحًا وَمُسْتَنْكَرًا؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ وَشَانُ الْأَسِيرِ مُهَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَعَلَّ ذَلِكَ إنَّمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت