فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 396

(وَإِنْ وَقَعَ فِي مَرْكَبِهِمْ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِينَ، (نَارٌ) فَاشْتَعَلَتْ (فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ فِيهِ السَّلَامَةَ) ، لِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ وَاجِبٌ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ فَهَاهُنَا كَذَلِكَ (مَنْ مُقَامٍ وَوُقُوعٍ بِمَاءٍ) لِيَتَخَلَّصُوا مِنْ النَّارِ (فَإِنْ شَكُّوا) فِيمَا فِيهِ السَّلَامَةُ (أَوْ تَيَقَّنُوا التَّلَفَ فِيهِمَا) ، أَيْ: الْمُقَامِ وَالْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ ظَنًّا مُتَسَاوِيًا، (أَوْ ظَنُّوا السَّلَامَةَ فِيهِمَا ظَنًّا مُتَسَاوِيًا، خُيِّرُوا) بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْمُرَجَّحِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَ شَاءَ صَنَعَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُمَا مَوْتَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا انْتَهَى. وَهُمْ مُلْجَئُونَ إلَى الْإِلْقَاءِ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ الْفِعْلُ بِوَجْهٍ، فَلَا يُقَالُ: أَلْقُوا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى التَّهْلُكَةِ.

(وَلَا يَقَعُ) طَلَاقٌ (مِنْ مُكْرَهٍ شَرِبَ) مُسْكِرًا (وَلَمْ يَاثَمْ) بِشُرْبِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمَعْذُورُ بِالسُّكْرِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (بِخِلَافِ مُكْرَهٍ عَلَى) شُرْبِ (يَسِيرٍ) مِنْ الْمُسْكِرِ (فَشَرِبَ) مِنْهُ (كَثِيرًا) فَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَالْمُخْتَارِ؛ لِمَا يَجِدُ مِنْ اللَّذَّةِ (وَلَا) يَقَعُ طَلَاقٌ (مِمَّنْ أُكْرِهَ) عَلَى الطَّلَاقِ (ظُلْمًا) لِلْخَبَرِ (لَا بِحَقٍّ) فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ (كَ) حَاكِمٍ يُكْرِهُ (فِي) نِكَاحٍ (فَاسِدٍ وَإِيلَاءٍ) بَعْدَ التَّرَبُّصِ، وَأَبَى الْفَيْئَةَ فَإِنَّهُ يَقَعُ (بِعُقُوبَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِإِكْرَاهٍ (أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ دِيَارِهِ أَوْ تَهْدِيدٍ لَهُ، أَوْ لِوَلَدِهِ، وَفِي"الْفُرُوعِ": وَيَتَّجِهُ أَوْ لِوَالِدِهِ) وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ مَا هُدِّدَ بِهِ، وَعَجْزُهُ عَنْ دَفْعِهِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ وَالِاخْتِفَاءِ؛ فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ مَعَهُ طَلَاقٌ (وَفِي"الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ"وَيَتَوَجَّهُ تَعَدِّيهِ إلَى كُلِّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً مِنْ وَالِدٍ وَزَوْجَةٍ) وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ الْإِكْرَاهِ (مِنْ قَادِرٍ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ) وَقَاطِعِ طَرِيقٍ (بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ ضَرْبٍ) شَدِيدٍ (أَوْ حَبْسٍ) أَوْ قَيْدٍ طَوِيلَيْنِ (أَوْ أَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ) أَخْذُهُ مِنْهُ ضَرَرًا (كَثِيرًا فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ (وَ) يُشْتَرَطُ غَلَبَةُ (ظَنِّ إيقَاعِهِ) أَيْ: مَا هَدَّدَهُ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ (وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَحْوِ هَرَبٍ وَاخْتِفَاءٍ، فَطَلَّقَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ) أَيْ: الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُلْزِمُهُ اللُّصُوصُ فَطَلَّقَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ} . وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: {لَا طَلَاقَ وَلَا عِتْقَ فِي إغْلَاقٍ} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَضِيقٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، كَمَنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابٌ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِلَا حَقٍّ أَشْبَهَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (بَلْ يَجِبُ طَلَاقُهُ إنْ هَدَّدَهُ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ) قَادِرٌ (وَ) غَلَبَ عَلَى (ظَنِّهِ) إيقَاعُ ذَلِكَ (مِنْهُ) إنْ لَمْ يُطَلِّقْ؛ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. وَرَوَى سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ تَدَلَّى فِي حَبْلٍ لِيَشْتَارَ عَسَلًا، فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى الْحَبْلِ، فَقَالَتْ لَهُ: لِتُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعَتْ الْحَبْلَ، فَذَكَرَ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَى عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ ارْجِعْ إلَى أَهْلِكَ؛ فَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا (وَكَمُكْرَهٍ) ظُلْمًا فِي عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ (مَنْ سُحِرَ لِيُطَلِّقَ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي"الْفُرُوعِ"قَالَ فِي"الْإِنْصَافِ"قُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمُ الْإِكْرَاهَاتِ (إذَا بَلَغَ بِهِ السِّحْرُ إلَى أَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ إذَنْ (وَضَرْبٌ يَسِيرٌ) فِي حَقٍّ لَا يُبَالِي بِهِ (لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ إلَّا لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا) أَيْ: إهَانَةً لِصَاحِبِهِ وَغَضَاضَةً (وَشُهْرَةً) فِي حَقِّهِ فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: وَلَا يَكُونُ) السَّبُّ وَلَا (الشَّتْمُ وَلَا الْإِخْرَاقُ وَأَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ إكْرَاهًا) لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ. قَالَ الْقَاضِي: الْإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ (وَيَنْبَغِي لِمُكْرَهٍ) عَلَى طَلَاقٍ (التَّاوِيلُ) فَيَنْوِي بِقَلْبِهِ عَلَى غَيْرِ امْرَأَتِهِ، أَوْ يَنْوِي بِطَلَاقٍ مِنْ عَمَلٍ؛ وَبِثَلَاثٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْقَعَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ أَدْرَى بِهَا (فَإِنْ قَصَدَ إيقَاعَهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (دُونَ دَفْعِ إكْرَاهٍ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت