يُمْلِي عَلَيْهِ. وَقَالَ سَادِسًا: {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} ، وَقَالَ سَابِعًا: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ، وَقَالَ ثَامِنًا: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِهِ} ، وَقَالَ تَاسِعًا: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ أَعْطَى يَتِيمًا مَالًا قَبْلَ أَنْ يَانَسَ رُشْدَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخَلْقِ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ، قُلْتُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ دُعَاءُ الدُّنْيَا فِي مَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ بِهَذَا فِيمَنْ يَخْلِطُ التَّمْرَ وَالنَّوَى، وَمَنْ يَخْلِطُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَغَيْرَهُمَا حَتَّى يَتُوبَ مِنْ عَدَمِ الْإِشْهَادِ وَيُطَلِّقَ وَيَتَنَصَّلَ، مِمَّا أَضَاعَ الْيَتِيمَ وَيَتُوبَ، إلَّا مُعْطِيَ الْيَتِيمِ مَالَهُ فَلَا يُجَابُ لَهُ دُعَاءُ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سِتَّةَ: لَعَلَّ الْمُرَادَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ، أَيْ لِلثَّلَاثَةِ فِيهِمْ، أَيْ فِي الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُنْكِرِ، أَيْ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ إذَا دَعَى فِي شَانِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا وَعَلَى الْمُنْكِرِ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِسُوءٍ، وَكَذَا إنْ دَعَا عَلَى الْيَتِيمِ بِسُوءٍ إنْ اتَّهَمَهُ الْيَتِيمُ أَوْ عَنَّفَهُ بِكَلَامِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ السَّبَبُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ وَبِالْإِعْطَاءِ قَبْلَ الرُّشْدِ وَتَرْكِ الطَّلَاقِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهَا أَوْ يَجِدُ مِثْلَهَا أَوْ مَنْ هِيَ أَسْوَأُ أَوْ لَا صَدَاقَ عِنْدَهُ لِلَّتِي يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا صَدَاقَ يُعْطِي لِلَّتِي يُطَلِّقُ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ أَوْلَادَهُ سِوَاهَا وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ فِي السَّيِّئَةِ الْخَلْقِ الَّتِي سُوءُ خَلْقِهَا هُوَ ظُهُورُ أَمَارَةِ الزِّنَى عَلَيْهَا أَوْ الظُّهُورُ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ أَوْ التَّكَلُّمُ مَعَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَوْ الْخُلُوُّ بِهِمْ أَوْ ذِكْرُ الزِّنَى أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ الْإِضْرَارُ بِالْجَارِ بِحَيْثُ لَا تَنْتَهِي بِالْوَعْظِ وَالزَّجْرِ أَوْ بِالْوَالِدَيْنِ وَإِلْقَاءُ الْفِتَنِ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ إرَادَةُ أَنْ تَقْتُلَهُ أَوْ تَسْحَرَهُ أَوْ تُبْطِلَ عُضْوًا مِنْهُ أَوْ لَا تُجِيبُهُ إذَا دَعَاهَا لِلْجِمَاعِ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى الزِّنَى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا سَاءَ خُلُقُهَا مَعَهُ بِأَنْ لَا تُجِيبَهُ إذَا تَكَلَّمَ وَلَا تُطِيعَهُ فِي حَوَائِجِهِ أَوْ تُغَلِّظَ لَهُ الْكَلَامَ أَوْ تُسِيءَ عِشْرَتَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَاسَ بِإِمْسَاكِهِ إيَّاهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ غَيْرُ مُوَصِّلٍ لَهُ إلَى التَّهْلُكَةِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ صَبَرَ عَلَى سُوءِ خُلُقِ امْرَأَةٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى أَيُّوبَ عَلَى بَلَائِهِ} ، رَوَاهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي الْقَنَاطِرِ - رَحِمَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -، بَلْ جَعَلَ الصَّبْرَ عَلَى سُوءِ خُلُقِهَا وَتَحَمُّلِ أَذَاهَا مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ فَهَذَا الْحَدِيثُ فِي سُوءِ خُلُقِهَا مَعَهُ فِي حَقِّهِ بِدُونِ إيصَالٍ إلَى تَهْلُكَتِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ، وَحَدِيثُ تَطْلِيقِهَا إذَا أَسَاءَتْ إنَّمَا هُوَ فِي إسَاءَتِهَا بِمَا يُهْلِكُهُ فِي بَدَنِهِ أَوْ دِينِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ وَقْعُهُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عليه السلام أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ سَارَةُ رضي الله عنها فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَيْهِ أَنْ أَلْبِسْهَا مَا كُنْتَ تُلْبِسُهَا مَا لَمْ تَرَ عَلَيْهَا جُرْحَةً فِي دِينِهَا فَإِنِّي خَلَقْتُهُنَّ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، فَمَنْ رَامَ قَوَامَهُ انْكَسَرَ وَانْكِسَارُهُ الطَّلَاقُ، وَمَنْ اسْتَمْتَعَ بِهَا عَلَى عِوَجٍ، وَمَا زَالَتْ الْأَخْيَارُ يَصْبِرُونَ لِأَزْوَاجِهِمْ، كَعُمَرَ - رضي الله عنه -، وَاَلَّذِي ضَرَبَتْهُ بِمِقْلَى فَكَانَ فِي عُنُقِهِ طَوْقًا، وَاَلَّذِي لَطَمَتْهُ وَبَقِيَ أَثَرُ الْعَجِينِ فِي وَجْهِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْرِيرِ الْمَقَامِ، وَقَالَ أَبُو سِتَّةَ: لَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُرِدْ الصَّبْرَ عَلَيْهَا احْتِسَابًا لِلَّهِ، كَمَا قِيلَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ: لِمَ لَمْ تُطَلِّقْهَا، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، فَمِثْلُ هَذَا لَا بَاسَ عَلَيْهِ بِالْإِمْسَاكِ.
(وَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَمُرَاعَاةُ الْأَحْوَالِ) أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ (وَإِلَّا) يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ (فَلِلْجَمَاعَةِ إيلَاءُ حَاكِمٍ يَرْضَوْنَهُ يُقَرِّبُ) الْحَقَّ لِصَاحِبِهِ وَيُقَرِّبُ الْمُطِيعَ لِلَّهِ وَالنَّافِعَ لِلْإِسْلَامِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى سَائِرِ الْوِلَايَاتِ وَيُبْعِدُ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَنْ حُقُوقِ النَّاسِ (وَيُبْعِدُ) الْعَاصِي وَالضَّارَّ لِلْإِسْلَامِ عَنْ