فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 396

عِنْدَ اللَّهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ النَّافِعُ الضَّارُّ وَمَا سِوَاهُ أَسْبَابٌ، بَلْ لَا يَجُوزُ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي الْمَنَافِعِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِغَيْرِ كَسْبٍ، وَلَا الْكَسْبُ مِنْ غَيْرِ تَوَكُّلٍ، وَإِلَّا هَلَكَ، وَيَجُوزُ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ بِلَا كَسْبٍ مِنْهُ وَلَا كَسْبٍ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ تَرْكُ الْكَسْبِ إلْقَاءً فِي التَّهْلُكَةِ، مِثْلُ أَنْ يُسَافِرَ بِلَا زَادٍ مُدَّةً لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الصَّبْرِ عَنْ الطَّعَامِ وَلَا عَلَى التَّقَوُّتِ بِنَحْوِ حَشِيشٍ الرَّابِعُ: التَّفْوِيضُ، وَهُوَ رَدُّ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ، وَالْأَرْبَعَةُ وَالطَّاعَةُ مُتَدَاخِلَاتٌ وَمُتَلَازِمَاتٌ ضِمْنًا، وَلَوْ اخْتَلَفَ مَفْهُومَاتُهُنَّ كَمَا رَأَيْتُ ا هـ، تَدْخُلُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّهَا فِي تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِيهَا أَيْضًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سِتَّةَ: الِاسْتِسْلَامُ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالرِّضَى سُرُورُ الْقَلْبِ وَالْعَزْمُ عَلَى امْتِثَالِ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ، وَفِي السُّؤَالَاتِ": أَصْلُ الرِّضَى أَنْ يَرْضَى بِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: {اُعْبُدْ اللَّهَ عَلَى الرِّضَى وَالْيَقِينِ وَإِلَّا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ} ، يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا لَمْ يَجِدْ سُرُورًا عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَلْيَحْمِلْ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ خَيْرًا كَثِيرًا وَالتَّوَكُّلُ الِاسْتِيثَاقُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَأَنْ تُظْهِرَ عَجْزَكَ، وَقَالَ فِي السُّؤَالَاتِ": أَصْلُ التَّوَكُّلِ الِاسْتِيثَاقُ وَالطُّمَانِينَةُ لِلَّهِ فِيمَا عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاهِبِ، وَالتَّوَكُّلُ أَعْلَى مِنْ الْيَقِينِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَصْلُ الْيَقِينِ الْعِلْمُ وَالْإِبْلَاغُ فِيهِ بِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، وَالتَّفْوِيضُ أَنْ تَرُدَّ مَفَاتِيحَ الْأُمُورِ كُلَّهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ فِي السُّؤَالَاتِ": وَأَصْلُ التَّفْوِيضِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ، وَمَا مَنَعَهُ لَا مُعْطِيَ لَهُ. وَأَنَّ مَفَاتِيحَ الْأُمُورِ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَصْلُ التَّفْوِيضِ عِنْدِي مِنْ: فَوَّضْتُ الْأَمْرَ إلَى فُلَانٍ إذَا رَدَدْتُهُ إلَيْهِ وَلَمْ تُبَالِ مَا قَطَعَ عَلَيْكَ فِيهِ وَمَطْلُوبُكَ رِضَاهُ. (مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ الِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللَّهِ) رَمَزَ بِإِثْبَاتِ الْأَرْكَانِ لِلدِّينِ إلَى أَنَّهُ قَدْ شَبَّهَ فِي نَفْسِهِ الدِّينَ بِمَا لَهُ الْأَرْكَانُ حَقِيقَةً وَهُوَ الْبَيْتُ (وَهُوَ الِانْقِيَادُ لِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ) أَوَامِرِ اللَّهِ أَيْ الْأَقْوَالِ الَّتِي هِيَ آمِرَةٌ لِلْمُكَلَّفِ وَهِيَ لِلَّهِ، أَسْنَدَ الْأَمْرَ لِلْأَقْوَالِ لِأَنَّهَا آلَةٌ لِلْأَمْرِ، وَأَضَافَ الْأَوَامِرَ لِلَّهِ لِأَنَّهَا مِنْهُ (وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ) جَمْعُ نَهْيٍ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، أَوْ جَمْعُ مَنْهًى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَوْ بِمَعْنَى مَوَاضِعِ النَّهْيِ أَيْ الْأُمُورِ الَّتِي تَسَلَّطَ النَّهْيُ فِيهَا (قَوْلًا وَفِعْلًا) وَاعْتِقَادًا أَيْ امْتِثَالِ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَاجْتِنَابِ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، فَالنَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا كَذَلِكَ بِأَوَامِرِ وَمَنَاهٍ أَيْ أَمْرِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ نَهْيِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ الْمُكَلَّفُ أَوْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّهْيُ عَنْ قَوْلٍ يَقُولُهُ أَوْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وَالْوَجْهَانِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: (فَرْضًا وَنَفْلًا) أَيْ قَوْلَ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ نَهْيَ نَفْلٍ وَهُوَ نَهْيُ التَّنْزِيهِ، أَوْ نَهْيَ فَرْضٍ وَهُوَ نَهْيُ التَّحْرِيمِ أَوْ امْتِثَالَ فَرْضٍ، أَوْ نَفْلٍ لِأَنَّ النَّفَلَ مَامُورٌ بِهِ أَمَرَ نَدْبِ، وَاجْتِنَابَ فَرْضٍ، أَيْ اجْتِنَابَ لُزُومٍ، أَيْ اجْتِنَابَ وَاجِبٍ، وَهُوَ اجْتِنَابُ الْحَرَامِ، أَوْ اجْتِنَابَ نَفْلٍ وَهُوَ مَا يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ. (وَلَا يَكُونُ تَارِكُ النَّفْلِ مُعَانِدًا) لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يَجِبُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: شَاقَّ اللَّهَ وَعَانَدَهُ، (وَلَا ذُو كَبِيرَةٍ مُسْتَسْلِمًا) لِأَنَّهُ لَمْ يُخْضَعْ لِاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا ذُو الصَّغِيرَةِ الْمُجْتَنِبُ لِلْكَبَائِرِ فَإِنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ وَلَوْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا مُحَرَّمَةً لِأَنَّهَا مَغْفُورَةٌ لَهُ، وَتَارِكُ الْفَرْضِ الَّذِي يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ مُعَانِدٌ وَفَاعِلُ الْكَبِيرَةِ مُعَانِدٌ، فَالِاسْتِسْلَامُ: الْإِذْعَانُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَامْتِثَالُهُ، فَإِنْ أَذْعَنَ وَلَمْ يَمْتَثِلْ فَغَيْرُ مُسْتَسْلِمٍ كَمَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُذْعِنْ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَسْلِمٍ (وَالرِّضَى) مَعْطُوفٌ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ (بِقَضَائِهِ فِيمَا أَلْزَمَ) أَيْ اللَّهُ (الْعَبْدَ) مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ (وَفِيمَا ابْتَلَاهُ) بِهِ مِنْ الْمَصَائِبِ حَذَفَ الضَّمِيرَ عَلَى الْقِلَّةِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ مَا مَصْدَرِيَّةً، (وَهُوَ) أَيْ الِابْتِلَاءُ (عَدْلٌ وَصَوَابٌ) سَوَاءٌ فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِ غَيْرِهِ، أَوْ عِرْضِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت