ـ [عزام محمد ذيب الشريدة] ــــــــ [23 - 04 - 2005, 12:29 م] ـ
"وإذا قرأنا قوله تعالى (يريدُ اللهُ ليبينَ لكم ويهديكم سُنَنَ الذينَ مِنْ قَبْلكِم ويتوبَ عليكُم والله عليمٌ حكيمٌ * والله يريدُ أن يتوبَ عليكُم ويريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا) (النساء 26 - 28) ثم لاحظنا فعل الإرادة ولفظ الجلالة رأينا ترتيب ذلك كما يلي: يريد الله - والله يريد - يريد الله- فإذا بحثنا عن السبب وجدنا تقديم لفظ الجلالة في مورده الثاني إنما كان لوضعه موضع المقارنة مع الذين يتبعون الشهوات, أما في المرة الأولى والثالثة فالاهتمام معلق بالإرادة لا بالمقارنة" (1) .
والتقديم والتأخير هنا نابع من الاختيار بين أصلين (2) . وليس عدولًا من بنية عميقة إلى بنية سطحية, لأن كليهما أصل.
وهناك فرق في المعنى بين اختيار الجملة الاسمية أو الفعلية. فالفائدة المعنوية أو تغير المعنى ينبع من الاختيار كما ينبع من العدول, وهذا يجيز لنا السؤال: لم بُدئ بالاسم أو بالفعل؟ من ناحية معنوية وليس من ناحية نحوية, لأن ما جاء على أصله من ناحية نحوية لا يسأَل عن علته.
"والذي يبدو أن التقديم في العبارة الثانية جاء لسببين: - أولهما: كسر الوتيرة الواحدة في طريقة الترتيب. وثانيهما: الدلالة في العبارة الثانية على أن الله وحده يريد التوبة, على حين يريد الذين يتبعون الشهوات الميل العظيم, ويعزز هذه الدلالة ما نرى من المقابلة بين إرادة وإرادة."
ويعلل السيرافي عملية بناء الفعل على الاسم أو الاسم على الفعل فيقول:"وجملة الأمر أن الذي حكمه أن يكون مؤخرًا, مبني على ما حكمه أن يكون مقدمًا, عمل في اللفظ أو لم يعمل, إذا كان أحدهما يحتاج إلى الآخر"
(1) تمام حسان- البيان في روائع القرآن، ص379.
(2) المصدر نفسه، ص502.
ـ [عزام محمد ذيب الشريدة] ــــــــ [23 - 04 - 2005, 12:34 م] ـ
عندنا زيدًا لأكرمناه أن التي بعد"لو"مبنية على"لو"وإن كانت غير عاملة فيها, لأن حكم"لو"أن تكون مقدمة على"أنًّ"ولا يستغني عنها"."
فعلةّ وقوع الفعل والمبتدأ في موقع المبني عليه هي كونهما متقدمين في المعنى, وعلة كون الفاعل والخبر في موقع المبني هي كونهما متأخرين في المعنى, فالمتأخر يبنى على المتقدم إذا كان بينهما علاقة احتياج وعدم استغناء, والمحتاج أو الطالب يتقدم على المطلوب معنويًا بغض النظر عما إذا كان الطالب عاملًا في المطلوب أم لا, فالعلاقة بين الألفاظ علاقة معنوية بالدرجة الأولى قبل أن تكون علاقة عامل بمعمول.
( المباني تترتب بالرتبة(المنزلة) من الخاص إلى العام أصلًا ومن العام إلى الخاص عدولًا)
ومن الشكل يتضح أن المبني عليه والمبني بينهما علاقة معنوية, وأن المبني عليه يحتاج إلى المبني, فيبني المتكلم الفاعل أو الخبر على الفعل أو المبتدأ فتحصل الفائدة, فالسابق يطلب اللاحق, واللاحق ينبني على السابق, كما يلاحظ أن الطلب أو الاحتياج يسير من اليمين إلى اليسار أما البناء فيسير من اليسار إلى اليمين
)) السيرافي - شرح كتاب سيبويه، ص 190.
ـ [عزام محمد ذيب الشريدة] ــــــــ [23 - 04 - 2005, 02:13 م] ـ
وبدايتها, أما عملية البناء الثانية فقد نتج عنها جملة فعلية, وهي تتكون من المبني عليه (الفعل) ومن المبني (الفاعل) , وقد يضاف إليه المفعول وذلك بحسب الحاجة, (وزيادة ونقصد بالزيادة. .. , ما يضاف إلى الجملة النواة من كلمات يعبرّ عنها النحاة بالفضلات أو التتمات ... , يُضاف إلى الجملة الأصل لتحقيق زيادة في المعنى, فكل زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى ... , ولا بد لكل كلمة تضاف إلى الجملة أن تسير في خط المبنى قبل أن تعطي معنى, فبعد أن تأخذ الكلمة موقعها من الجملة محققة سلامة البنية الشكلية في الجملة قياسًا على ما جاء عن العرب, فإنها ترتبط من حيث المعنى بمركز الجملة , والمبني عليه(الفعل) هو الذي يحدد نوعية الجملة وبدايتها. كما أن المفعول وإن تقدم على الفعل فإنه يبقى مبنيا لأن المبني عليه ما زال محتاجًا إليه, والمفعول مرتبط به معنويًا. ومن هنا فأستطيع القول أن"أصل الكلام جملتان فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر".
وفي رأيي أن الجملة العربية تنتج عن تبادل الرتبة بين الاسم والفعل, أو بين الأصل والفرع أو بين المبني عليه والمبني"وهاتان الجملتان التوليديتان هما الأساس لكل الجمل التحويلية (العدول) في العربية". وهذا هو رأي البصريين, أما الكوفيون فيرون أن الفاعل إذا تقدم على فعله ظل فاعلًا.
والذي أراه أن ما ذهب إليه البصريون هو الصواب, وبالإضافة إلى ما ذكره المبرد حول هذا الموضوع وهو مشهور, وكذلك ابن السراج حيث يقول: فالفاعل لا يتقدم على
)) خليل عمايرة - في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 96, 98.
)) ابن السراج - الأصول في النحو, ج1, ص 58 - 59, ج2, ص 276.
)) د. خليل عمايرة- في نحو اللغة العربية وتراكيبها, ص 87.
)) المبرد - المقتضب, ج4, ص 128.
(يُتْبَعُ)