ولعل ترتيب الدكتور تمام حسان هو الأقرب إلى الصواب, فالفعل يتقدم بكونه المبني عليه الذي يتركب عليه الكلام, والفاعل يتقدم على المفعول لأنه لا بد للفعل من فاعل ولا يستغني عنه, فحاجة الفعل للفاعل أشد من حاجته للمفعول"كما أن الفعل حركة الفاعل والحركة لا تنفك عن محلها" (2) . فالفاعل أقرب إلى الفعل من غيره لأنه صادر عنه, كما أن الفاعل هو المخبر عنه وهو أولى من غيره بهذا الخبر, ولهذا عندما يذكر الفعل يتبادر إلى الأذهان أولًا معرفة الفاعل لأن الفعل مرتبط بفاعل يقوم به. كما أن كثافة المعلومات التي ينقلها لفظ الفاعل أكثر من غيره, فذكره مفيد للمخاطب. ودلالة الفعل عليه قوية جدًا ولذلك تقدم على المفاعيل, وقد يكون الفعل بلا مفاعيل.
وتقديم المفعول به"لأن طلب الفعل الرافع للفاعل له أشد من طلبه لغيره, والفعل يحتاج إلى محل يقع فيه" (3) .
1 -تمام حسان - البيان في روائع القرآن، ص 378.
2 -السهيلي - نتائج الفكر، ص 67.
3 -الرضي - شرح الكافية، ج1، ص 219.
ولأنه متعلِّق بأحكام المرفوعات من جهة رفعه إذا ناب عن الفاعل, ومن جهة حصول الفائدة به كحصولها بالفاعل على الجملة, ومن أجل أن الفعل يقتضيه بمعناه كما يقتضي الفاعل" (1) . فإذا قلنا: ضرب زيدٌ فأول ما يتبادَرُ إلى ذهن المخاطب السؤال عن المفعول به فالفعل يصدر من الفاعل ثم يقع على المفعول. فالفعل بعد الفاعل يحتاج إلى المفعول ودلالته عليه قوية وذكره أهم وأكثر إفادة من غيره."
وتقديم المفعول معه, لأنه الفاعل أو المفعول من جهة المعنى, وفيه مراعاة لأصل الواو. فعندما نقول جاء زيد وطلوع الشمس. فطلوع الشمس فاعل من جهة المعنى وهو مصاحب لفعل المجيء يقول ابن هشام"لبعض المفاعيل الأصالة في التقديم على بعض إما بكونه مبتدأ في الأصل أو فاعلًا في المعنى أو مسرَّحًا لفظًا أوتقديرًا والآخر مقي"
(2) لأن علقة ما لا يحتاج إلى واسطة أقوى من علقة ما يحتاج إليها" (3) ."
وتأخيره للمصدر عن المفعول به عين الصواب, فصحيح أن الفعل له دلالة قوية على المصدر, إلاّ أنه يجب أن لا ننسى أن ذكره غير مفيد أو أن حاجة الفعل إليه ليست قوية فتأخيره أفضل من تقديمه"وذلك لأن ذكر الفعل مغنٍ عنه (4) ."
وتقديمه للمصدر على الظرف, لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالته على الظرف,"ولأن الفعل ينصب المصدر وظرف الزمان وظرف المكان, ونصبه للمصدر أقوى من نصبه للظرفين. لأن الفعل إنما ينصبُ ظرف الزمان بالحمل على المصدر, وكان الأصل أن يتعدى إليه بحرف جر, وأما ظرف المكان فانتصب على ظرف الزمان, وكان الأصل أن يصل إليه الفعل بحرف جر, ونصب المكان في الرتبة الثالثة وكل ما هو في الدرجة الثالثة لا تجده إلا مخصوصًا" (5) . وتقديمه للظرف"لأنه لا بد للفعل من زمان ومكان يكون فيهما" (6) , ولأن الفعل إنما اختلفت أَبنيته للزمان, وهو مضارع له من أجل أن
1 -الشاطبي - المقاصد الشافية، ج1،ص212.
2 -ابن هشام - أوضح المسالك، ج 2، ص 183 - 184.
3 -ابن مالك - شرح التسهيل، ج 2، ص 83.
4 -السهيلي - نتائج الفكر، ص 387.
5 -ابن أبي الربيع - البسيط في شرح جمل الزجاجي، ج1،ص 507.
6 -ابن عصفور - شرح جمل الزجاجي، ج1،ص324.
الزمن حركة الفلك, والفعل حركة الفاعلين" (1) , واحتياج الفعل إلى الزمان والمكان ضروري" (2) ,"كما أن الدلالة على الزمان وقعت عليه من لفظ الفعل" (3) .وتقديمه للزمان على المكان"لأن دلالة الفعل على الزمان أقوى من دلالته على المكان ولذلك قد يحتاج الفعل إلى حرف جر يصل به إلى المكان ولكنه يصل إلى الزمان بدون حرف" (4) .
أما تأخيره للمفعول له"فلأن الفعل قد يكون بلا علة, فقد يكون فاعل الفعل ساهيًا أو مجنونًا, فلا يقع فعله لسبب, فلا يكون للفعل إذ ذاك مفعول من أجله" (5) "ورب فعلٍ بلا علةٍ" (6) كما أن الفعل في الأصل يصل إليه بحرف جر لضعف العلاقة بينهما.
ويتضح من ترتيب المفاعيل أن المباني تتقدم بالرتبة (المنزلة) من الخاص إلى العام أو من القريب إلى البعيد.
(يُتْبَعُ)