قال الأصمعي: فكأني والله ألقمت جعفرا حجرا فاهتزّ الرشيد فوق سريره وكاد يطير عجبا وطربا وقال: والله لله درّك يا أصمعي اسمع الآن ما كان عليه اختياري ليقل أمير المؤمنين فقال عيّنت على ثلاثة أشعار أقسم بالله أني أملك السبق بأحدها ثم قال الرشيد أتعرف يا أصمعي تشبيها أفخر أو أعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق ولا نازعه منازع ولا طمع في مجاراته طامع حين شبّه ذباب الروض العازب في قوله: [الكامل]
وخلا الذباب بها فليس نبارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم
ثم قال: يا أصمعي هذا من التشبيهات العقم (1) التي لا تنتج، فقلت كذلك هو يا أمير المؤمنين وبمجدك آليت ما سمعت قطّ أحدا يصف شعره بأحسن من هذه الصفة ولا استطاع بلوغ هذه الغاية فقال مهلا لا تعجل أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته أو تعلم أحدا قبله أو بعده شبّه تشبيهه، حيث يقول:
[الطويل]
ترى بين لحييها (2) إذا ما ترغمت ... لغاما كنسج العنكبوت الممدد
فقلت والله ما علمت أحدا تقدّمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا قبله قال أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها وبقي أثره في قوله:
[البسيط]
كأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليّتيها الثآليل
فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال: أوجب؟ فقال:
وجب، ويؤخذ على النابغة بعض مبالغات في معانيه كقوله [1] : [الطويل]
إذا ارتعشت (3) خاف الجبان رعاثها (4) ... ومن يتعلق حيث علّق يفرق
شبهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة ولا تلقّح شجرة، والذباب: النحل الغرد الطرب.
الترنم: الذي يرجع صوته بينه وبين نفسه. الهزج: المتغني. والأجذم: مقطوع اليد أو الأنامل.
(2) الضمير في لحييه للناقة. ترغمت: سارت في الرغام. اللغام ما يخرج من فم الناقة.
(3) أي تقرطت.
(4) الرعاث: القرط.
(1) البيت ليس في ديوان النابغة، طبعة دار الكتب العلمية، وهو في ديوانه ص 181، طبعة دار المعارف بمصر.