فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وتعيّره حبيبته لسيره في البلاد وتنقّله فيها بعيدا عن أهله وبلاده فيقول [1] :
[الطويل]
تعيّر سيري في البلاد ورحلتي ... ألا ربّ دار لي سوى حرّ دارك
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حيّه إلا كآخر هالك
ألا ربّ يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حييّ ومالك
وطال تنقله في البلاد فذهب إلى اليمن، ثم رحل منها إلى النجاشي في الحبشة، وقال في اطّراده إلى النجاشي قصيدته. لخولة بالأجزاع من إضم طلل.
ولما فزعته الغربة وحرق قلبه الحنين إلى أهله وبلده، عاد إلى الموطن الذي هجره، فأمدّه أخوه «معبد» بمال من ماله، ولكنه أتلفه في لذّاته ولهوه وعبثه (1) .
4 -ثم قصد أملا في إصلاح حاله ملك الحيرة عمرو بن المنذر الثالث الذي يلقّب باسم أمه حتى اشتهر بعمرو ابن هند، وتولّى ملك الحيرة عام 554م كما يقول البعض، أو عام 562، أو 563كما يرجّح آخرون. وكان الشعراء يرحلون إليه وينشدونه قصائدهم في مدحه فيجزل لهم العطاء. فوفد عليه طرفة مع خاله المتلمس فأحسن وفادتهما وجعلهما في حاشية أخيه قابوس بن المنذر وكان مرشحا للملك بعده، وكان شابا يميل إلى اللهو والترف، ويخرج إلى الصيد، فكان يخرج معه طرفة إذا خرج وينادمه على الشراب، وهكذا اطمأن به الحال، واستقرّت حياته بعض الاستقرار. ولكن طرفة الشاعر لم يرضه أن يكون تابعا لأحد، أو أن يشعر بأنه أقلّ شرفا ومجدا من إنسان.
5 -طرفة وابن عمه عبد عمرو كان عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك زوجا للخرنق أخت طرفة، وكان عبد عمرو سيّدا كريما شجاعا مطاعا في قومه، ظاهر الثّراء والقوة والفتوّة، وكان من أجمل العرب، كما كان وفي تفرّده عن قبيلته، وخصومة أهله له بسبب لهوه، بطالته، يقول طرفة في معلقته:
[الطويل]
وما زال تشرابي الخمور ولذاتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
(1) الأبيات في ديوان طرفة ص 59.