ويبدو من روح المعلّقة ولهجتها أن الشاعر نظمها عتابا لابن عمّه، ويبدو أيضا أن السبب في عتابه له أن أخاه «معبدا» كان له إبل يرعاها هو وأخوه طرفة فأغبّها طرفة في المرعى حتى دخلت مرعى ابن عمّه فحجزها فلام معبد أخاه وألقى عليه عبء طلبها واستردادها من ابن عمّه فذهب طرفة إليه فلم يجد كلامه معه، فعاد ثائرا غاضبا. ونظم قصيدته يعاتب فيها عبد عمرو عتابا شديدا قاسيا مما نقرؤه في المعلّقة في قوله: [الطويل]
فما لي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد
وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنّا وضعناه على رمس ملحد
على غير شيء قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد
وإن أدع للجلّى أكن من حماتها ... وإن تأتك الأعداء بالجهد أجهد
فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرّج كربي أو لأنظرني غدي
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتّسآل أو أنا مفتدي
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد (1)
فأصبحت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسوّد
ولمّا سمع عبد عمرو بن مرثد معلّقة طرفة أرسل إليه، فقال له: أما الولد فالله يعطيكه وأما المال فلا تبرح حتى تكون من أوسطنا فيه وأمر سبعة من أبنائه وثلاثة من بني أبنائه أن يعطوه عشرا عشرا من الإبل ففعلوا.
3 -ويذكر بعض الباحثين من المستشرقين أن المعلقة لم توضع مرة واحدة، كقوله: [الطويل]
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله ... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وما يليه من أبيات قالها وهو في سجن البحرين قبيل موته وهذا خطأ في البحث فلم يقل طرفة هذه الأبيات وهو في سجن البحرين بل نظمها ونظم القصيدة كلها مرة واحدة وهو صحيح مقيم في أرض قومه والقصيدة قطعة واحدة من الشعر الحيّ والتصوير الرائع والديباجة الساحرة والوصف الصادق.
قيس بن خالد ذو الجدين من عظماء سادة الشيبانيين وعمرو بن مرثد هو ابن عمّ الشاعر.