فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 550

وفيها معان قلّما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطىء ابن سلام حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقّا. وكأنها طائفة من الأنغام الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشدّ الاختلاف، وفيها نغمة واحدة متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حينا، وتحسّها النفس وإن لم تسمعها الأذن حينا آخر. وهذه

النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كانت الوحدة في معلّقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في نفسه منذ بدء القصيدة. ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقا واضحا جدّا، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن عنترة فيما يظهر كان حلو النفس رقيق القلب، قوي العاطفة، جاءه ذلك من أنه عزّ بعد ذلّة، وتحرّر بعد رقّ، فهو قد شقي في صباه وطفولته، واحتمل الأذى في شبابه والذلّ الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدّتها، على حين نجد هذه النغمة عند لبيد غليظة خشنة. لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها أثناءها ولكنه ليس متهالكا عليها ولا متحرجا من الصّدّ عنها، فهو يبادل القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر. أما عنترة فيقول: [الكامل]

ولقد نزلت فلا تظنّي غيره ... مني بمنزلة المحبّ المكرم

4 -وفيها عدّة تشبيهات رائقة: كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود وقد ثابت إليه الإبل: [الكامل]

تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق بجانبه لأعجم طمطم

ومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقّاد من القدماء ويحبونه في الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر الروضة الأنف التي ألحّ عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجا نشوان مترنما:

وكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم

أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم

جادت عليه كل بكر حرّة ... فتركن كل قرارة كالدرهم

سحا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرّم

وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم

هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم

5 -وكثير جدّا من أبيات هذه المعلّقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول، حتى جرى مجرى الأمثال فأيّ الناس لا يتمثّل قوله:

[الكامل]

وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم

وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرّمي

أو قوله: [الكامل]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت