عمان، ولم ينبع في الطائف سوى أبي الصلت، وابنه أميّة وهو أشعرهم، وغيلان بن سلمة وكنانة بن عبد ياليل (1) .
نشأ أمية في هذه البيئة، وشبّ شاعرا يرث من أبيه مواهب الشعر وملكاته. وأخذ يمارس التجارة وظل يمارسها طول عمره، فتارة إلى الشام وتارة إلى اليمن.
واتصل بالفرس في اليمن وسمع محاوراتهم وقصصهم، كما اتصل بالكهّان والأحبار والقسس في الشام وسمع عظاتهم وشاهد مظاهر القلق الروحي البادية في تفكير بعض العرب المتعبّدين أمثال: زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ويبدو أنه كان عالما بغير العربية على ما يظهر فاطّلع على كتب القدماء وخصوصا التوراة والإنجيل (2) .
وهكذا نشأ أمية مفطورا على التديّن موهوبا ملكات الشاعرية القوية الجيّاشة.
وسافر إلى الشام في رحلات تجارية كما سافر إلى اليمن فلقي في رحلته بعض المتديّنين هناك وسمع أخبارهم وعظاتهم، فرغب عن عبادة الأوثان وزهد في الدنيا، واستزاد النظر في الأديان وطلبها من أهل الكتاب، وروى الكثير من أخبار اليهود والنصارى وأقاصيص الشيوخ في الجاهلية من الذين يعبدون الله على دين إبراهيم وإسماعيل وخاض في التوحيد وأمر الآخرة وتعبّد ولبس المسوح وحرّم الخمر والزنا والقمار على نفسه، ورأى في الكتب الدينية ما يبشّر ببعثة نبي من العرب فطمع في أن يكون هو النبي المنتظر، وأخذ يدعو الناس إلى الحنيفية دين إبراهيم وإسماعيل ويظهر التألّه طمعا في نزول الوحي عليه، ومع ميله إلى الحنيفية ملّة إبراهيم السمحاء فقد كان لا يقلع عن التردّد على الأديار، يجالس الرهبان ويختلف إلى الكنائس، يحاور القسس ويخبر الناس أن نبيّا يخرج قد أظلّ زمانه (3) .
راجع ص 107طبقات الشعراء.
(2) ص 136ج 1آداب اللغة العربية لجورجي زيدان ط 1911، ويقول ابن قتيبة فيه: «وكان قد قرأ الكتب المقدمة» ص 176الشعر والشعراء.
(3) مرّ أمية بيزيد بن عمرو بن نفيل أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو ورقة. فقال له أمية: يا باغي الخير هل وجدت؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: أبى علماء الكتاب إلا أنه منّا أو منكم أو من أهل فلسطين (ص 109طبقات الشعراء لابن سلام) .