ومن شعر الأعشى قصيدته اللاميّة المعروفة التي يقول منها: [البسيط]
صدّت هريرة عنّا ما تكلمنا ... جهلا بأم خليد حبل من تصل (1) ؟
أئن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب المنون ودهر مفند خبل (2)
قالت هريرة لمّا جئت زائرها: ... ويلي عليك؟ وويلي منك يا رجل (3)
إما ترينّا حفاة، لا نعال لنا ... إنّا كذلك ما نحفي وننتعل (4)
وقد أقود الصّبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشّرة الغزل (5)
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول (6)
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفي وينتعل (7)
نازعتهم قضب الريحان متّكئا ... وقهوة مزّة رواوقها خضل (8)
لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا (9)
أم خليد: كنية هريرة وقوله: (حبل من تصل؟) استفهام تعجّبي يعني: إذا هجرتنا ولم تكلمنا فمن تكلّم إذن.
(2) الأعشى: الذي لا يبصر بالليل. والمفند: الآتي بالفند وهو السّفه في الرأي ومثله الخبال.
(3) ويلي عليك وويل منك: أي أتفجّع عليك لأنك تسعى بزيارتك لي في هلاك نفسك، وأتفجع منك لأن زيارتك لي تجرّ إلى هلاكي.
(4) ثم أخذ يعاتبها ويدفع عن نفسه بأن الصفات التي صدّت عنه من أجلها طارئة عليه بفعل الموت والزمان، وأنه كان شابّا غنيّا طروبا غزلا لا يشرب الخمر مع فتيان مثله ويستمع للقيان وينعم بهنّ فقال:
إما ترينا حفاة لا نعال لنا ... الخ
(5) أقود الصبا الخ: أي أتصابى، وآتي بأفعال الفتيان، ويصحبني منهم الغزل ذو الشره، وهي نشاط الشباب.
(6) الحانوت: بيت الخمار. والشاوي: الذي يشوي اللحم. والمشل: السواق الخفيف. والشلول والشلشل: الغلام الحادّ الرأس الخفيف الروح النشيط في عمله، والشول: من يشول بالشيء الذي يشتريه المشتري فيحمله له ويرفعه.
(7) أي كالسيوف في المضاء والصرامة، وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة خبرها «هالك كل من الخ» فهالك خبر مقدم وكل مبتدأ مؤخر.
(8) الريحان: كل زهر طيب الرائحة. ونازعتهم قضب الريحان: أتناولها مرة ويتناولونها أخرى.
والقهوة: الخمرة. والراووق: الوعاء الذي تروق فيه الخمر. وخضل: دائم الندى لا يجفّ لكثرة شربهم.
(9) راهنة: دائمة أمامهم أي لا ينتهون إلا إذا أبطأ عليهم الساقي فصاحوا به «هات» ولو شربوا عللا بعد نهل أي مرة بعد أخرى.