فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 550

التعصّب للقديم موجود في الآداب الأوروبية، فقد كان هو راس الشاعر الروماني يرى أن شعراء اليونان هم النماذج التي يجب أن تدرس ليلا ونهارا، فإن الشعر ينبغي أن ينظم كما كانوا ينظمونه واعتذر الباقلاني عنهم بأنهم إنما كانوا يميلون إلى الذي يجمع الغريب والمعاني واعتذر ابن رشيق عنهم بحاجتهم إلى الشاهد والمثل وقلّة ثقافتهم بما يأتي به المولّدون. ولكن الجرجاني في الوساطة يذكر أن ذلك أثر لتعصّب علماء اللغة ورواتها للشعر القديم وإنكارهم لفضل المحدثين وشعرهم (94و 50 وساطة ط بيروت) .

وطائفة أخرى من النقّاد حكّموا الذّوق الأدبي والطبع وحده في الشعر وحكموا أن الشاعر إما أن يكون من الجاهليين، أو إسلاميّا أو محدّثا، فلم يفضلوا الجاهليين لسبقهم في الزمن ولم يغضّوا من شأن المحدثين لتأخّر عصرهم. ومن هؤلاء: الجاحظ م 255هـ، وابن قتيبة المتوفّى 276هـ، والمبرد م 285هـ، وابن المعتز م 296هـ.

يقول ابن قتيبة في أول كتابه الشعر والشعراء: «ولا نظرت إلى المتقدم بعين الجلالة لتقدّمه، ولا المتأخر بعين الاحتقار لتأخّره، بل نظرت بعين العدل إلى الفريقين، وأعطيت كلّا حقه، ووفّرت عليه حظّه، فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله ويضعه موضع متخيّره ويرذل الشعر الرصين ولا عيب عنده إلا أنه قيل في زمانه، ورأى قائله، ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوما دون قوم. بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده وجعل كل قديم منهم حديثا في عصره، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدّون محدثين، وكان أبو عمرو يقول: لقد نبغ هذا المحدّث وحسن حتى لقد هممت بروايته (1) .

وقال المبرد: ليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطي كلّا ما يستحقّه (2) .

وأنكر ابن المعتز عصبية هؤلاء النقّاد للشعر القديم وذمّهم لشعر المحدثين، وقال: إنها عيب قبيح، ومن فعل ذلك فإنما غضّ من نفسه، وجعل هذا ناشئا عن جهل بنقد الشعر وتمييزه (3) .

ص 7و 8الشعر والشعراء.

(2) ص 18ج 1كامل المبرد.

(3) ص 175و 176أخبار أبي تمام للصولي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت