الجمهرة م 215هـ، وأبو عبيدة البصري م 206هـ صاحب «النقائض» و «مجاز القرآن» ، والأصمعي البصري م 216هـ (1) .
كان أبو عمرو بن العلاء أشدّ الناس إكبارا للجاهليين وتعظيما لشأنهم. جلس إليه الأصمعي عشر سنين فما سمعه يحتجّ ببيت إسلامي. ويروى عنه: لو أدرك الأخطل يوما واحدا من الجاهليين ما قدّمت عليه أحدا وكان لا يعدّ الشعر إلا للجاهليين، وكان كما يقول ابن سلام في طبقات الشعراء أشد الناس تسليما لهم.
وكان المأمون على رغم ثقافته الواسعة يتعصّب للأوائل من الشعراء ويقول:
انقضى الشعر ملك بني أمية.
وكان الأصمعي مع تحامله على المحدثين وشعرهم معتدلا في عصبيته للشعر الجاهلي، كان يحب الجيّد منه، وينقد الرديء، عاب امرأ القيس في قوله في وصف الفرس: [المتقارب]
وأركب في الروح خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
والخيفانة في الأصل هي الجرادة وتشبّه بها الفرس في الخفّة.
قال الأصمعي: شبّه شعر الناصية بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس كريما كما عاب غير امرىء القيس من الشعراء. وكان يقول: ختم الشعر بالرماح وهو شاعر أموي مشهور.
وفي القرن الثالث الهجري نجد النقّاد في موقفهم من الشعر الجاهلي طائفتين:
فطائفة تعجب بالجاهليين وشعرهم إعجابا شديدا، ولا ترى الشعر إلا لهم ومن هؤلاء ابن الأعرابي م 237هـ، وكان يزري بأشعار المحدثين ويشيد بشعر القدماء.
وكان يعيب شعر أبي نواس وأبي تمام، ويقول: ختم الشعر بابن هرمة. وقال في بشار: والله لولا أن أيامه تأخرت لفضّلته على كثير من الشعراء ومنهم أيضا إسحق الموصلي م 240هـ، وكان في كل أحواله ينصر الأوائل وكان شديد العصبية لهم وكان لا يعتدّ ببشار. ولم يكن موقفه قاصرا على الشعر وحده بل كان كذلك في الغناء، كان يتعصّب للغناء القديم وينكر تغييره ويعظّم الإقدام عليه. ومثل ذلك كان لهؤلاء الرواة أثر كبير في الشعر الجاهلي، فقد وضعوا الجاهليين في طبقات، ولم يتركوا شاعرا مشهورا من الجاهليين إلا رأوا فيه رأيا، واهتمّوا فوق ذلك بجمع الشعر وروايته وتدوينه.