فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 550

وجاء الإسلام فكان له ولرسوله الكريم موقف جليل من الشعر الجاهلي، أنكر بعضا وعرف بعضا، أنكر هذا الشعر الذي ينافي الأخلاق الكريمة والمثل العليا من الغزل الفاحش، والمجون الخليع، والهجاء الكاذب، والمدح المغرق، والفخر الممعن في الغلوّ والمبالغة، وعرف هذا الشعر الذي يدعو إلى الفضائل والأخلاق والدين ويحثّ على الأدب والطموح وأداء الواجب وحبّ الجماعة والتضحية في سبيل الأمة والإنسانية، فكان هذا الموقف الخالد للإسلام ونبيّه العظيم توجيها لرسالة الشعر، وتهذيبا نبيلا للشعراء ليسمو بفنّهم الرفيع إلى مجال الطّهر والخير، ومجال الحق والعدل والحرية والنور، وكان نقدا عميقا للشعر والشعراء الجاهليين، وإنكارا لاتخاذ الشعر وسيلة للكسب وظهر أثر الإسلام والقرآن في تهذيب أسلوب الشعر وألفاظه وفي البعد به عن الحوشية والغرابة وطبعه بطابع القوة والجلالة والروعة مع الحلاوة والبلاغة والسّلاسة. كما ظهر أثر القرآن والحياة الجديدة في عقلية الشعراء وتفكيرهم ومعانيهم وخيالاتهم.

وفي عصر دولة بني أمية انتشرت العصبيات، وكثرت الخلافات السياسية والدينية، وتغيّر نهج حياة العرب وتفكيرهم، فعادوا إلى مذاهب الجاهليين واتخذوه أداة للدفاع عن الرأي والعقيدة، ولسانا لإذاعة محامدهم ومفاخرهم، وشجّعوا الرواة على رواية الشعر الجاهلي والشباب على درسه وتعلّمه والتأدّب بأدبه، ووضعت في هذا العصر أصول النحو العربي فأخذ العلماء ينقدون الشعر الجاهلي نقدا يتصل بالإعراب وكان ابن أبي إسحق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم، وكان عيسى يقول:

أساء النابغة في قوله: [الكامل]

فبتّ كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السّمّ ناقع

ويقول موضعه: ناقعا (1) .

ومن أشهر رواة الشعر الجاهلي ونقّاده في القرن الثاني الهجري: أبو عمرو بن العلاء البصري م 154هـ، وحمّاد الراوية الكوفي (15675هـ) ، وخلف الأحمر البصري م 180هـ، ويونس البصري م 182هـ والمفضل الضبي م 189هـ وهو أقدم من جمع المختار من شعر العرب في كتاب «المفضليات» وأول من فسّر الشعر بيتا بيتا، ويقال إنه أول من جمع أشعار الجاهليين، وإن كان الراجح أن حمّادا سبقه في هذا الميدان. ومنهم: ابن الكلبي م 204، وأبو زيد الأنصاري صاحب كتاب ص 41الموشح للمرزباني، ص 11و 12ابن سلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت