ولا شك في أن أكثر آرائهم جورا في الحكومة الأدبية وإسرافا ومغالاة كثيرين.
«فلكل شعر جيد كما يقول الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي ناحيتان مختلفتان، فهو من ناحية مظهر من مظاهر الجمال الفني المطلق، وهو من هذه الناحية موجّه إلى الناس جميعا مؤثّر فيهم، ولكن بشرط أن يعدّوا لفهمه وتذوّقه، وهو من ناحية أخرى مرآة تمثّل في قوة أو ضعف شخصية الشاعر وبيئته وعصره، وهو من هذه الناحية متصل بزمانه ومكانه، فازدراء الشعر الجاهلي غلوّ ليس أقلّ إمعانا في الخطل من ازدراء الشعر الأجنبي» .
إننا لا ننكر أنه تحوّل دون فهم الشعر الجاهلي وتذوّقه صعوبات كثيرة، أهمها صعوبة لغته وأسلوبه وبعد الأمد يصوّر البيئة العربية القديمة وألوان الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي ومشاهد الطبيعة والوجود إبّان ذلك العهد البعيد. ولكن ذلك لا يمكن، أو لا يصحّ أن يصرفنا عن هذا الجمال الفني الرائع، الذي نجده في الشعر الجاهلي فضلا عمّا فيه من تخليد لآثار الحياة العربية الأولى وأحداثها ومظاهر التفكير فيها. ومع ذلك كله فإن الشعر الجاهلي أقوى دعامة للعربية وحفظها وخلودها بعد القرآن الكريم.
فهو من حيث إنه صورة من صور الفن والخيال والجمال، ومن حيث إنه أساس الثقافة الأدبية والعربية، لا يمكن لذلك ولغيره أيضا الاستغناء عن هذا الشعر القديم، ونبذه وراءنا ظهريّا.
في الشعر الجاهلي جمال، وهو أيضا لا يخلو من هنّات، وفيه روعة، وإن كنّا لا نبرئه من العيب، ومع ذلك فإننا نستطيع أن ندرس المذهب الفني الذي يمثّله الشعر الجاهلي، وأن نتعرّف خصائصه وعناصره ولنرى إلى أيّ حدّ يصحّ أن نجاري هؤلاء وهؤلاء من النقّاد والمتعصّبين على الشعر الجاهلي القديم، وإلى أيّ مدى يصحّ أن نسير في الدفاع عنه، فذلك أقرب إلى العدالة الأدبية في البحث والمناقشة.
أول ما نعرفه من خصائص الشعر الجاهلي البساطة والصدق والوضوح وعدم التكلّف أو الإغراق في الأداء. وهذا شيء يسلّمه النقّاد للشعر الجاهلي تسليما، ويجزمون به، وهو ما يدفعنا إلى الإعجاب به واللذّة الفنية حين نقرؤه ونستمع إليه، ولا يمكن أن يكون في ذلك ما يدعو إلى التهوين من شأنه، فالجمال أو أحد أسبابه لا يدعو إلا إلى الإعجاب والحبّ والمتعة. بل إن هذه الميزة الواضحة في الشعر الجاهلي هي نفس ما يدعو إليه نقّادنا المحدثون ودعاة التجديد في الأدب العربي
الحديث، «بعد أن أبعد المحدثون الشعر عن البساطة والإخلاص، وهما الصفتان اللتان كانتا حسنا له» كما يقول الدكتور ضيف (1) .