فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 550

أول ما نعرفه من خصائص الشعر الجاهلي البساطة والصدق والوضوح وعدم التكلّف أو الإغراق في الأداء. وهذا شيء يسلّمه النقّاد للشعر الجاهلي تسليما، ويجزمون به، وهو ما يدفعنا إلى الإعجاب به واللذّة الفنية حين نقرؤه ونستمع إليه، ولا يمكن أن يكون في ذلك ما يدعو إلى التهوين من شأنه، فالجمال أو أحد أسبابه لا يدعو إلا إلى الإعجاب والحبّ والمتعة. بل إن هذه الميزة الواضحة في الشعر الجاهلي هي نفس ما يدعو إليه نقّادنا المحدثون ودعاة التجديد في الأدب العربي

الحديث، «بعد أن أبعد المحدثون الشعر عن البساطة والإخلاص، وهما الصفتان اللتان كانتا حسنا له» كما يقول الدكتور ضيف (1) .

ويمتاز الشعر الجاهلي أيضا بالزهد في المحسّنات وألوان التزين الفني وهذه سمة غالبة عليه. وأدباؤنا المحدثون لا يزالون يدعون إلى هذا المذهب. ولقد كان الشعر المصري الحديث في أول نهضته مثقلا بقيود الزخرف البديعي الموروث عن العصر التركي والعثماني وأواخر العصر العباسي، إلى أن ثار النقّاد على ذلك النهج ودعوا إلى الخلاص من آثاره، حتى برىء الشعر الحديث من عاهته، وسار طليقا إلى غاياته. وقد ظهرت في الآداب الأوروبية أيضا صبغة الزخرف الفني في العصور الوسطى، كما حدث في الأدب الفرنسي في أعقاب عهد لويس الرابع عشر، وفي الأدب الإنجليزي بعد عصر أليصابات: أفنقول بعد ذلك إن الشعر الجاهلي يعاب لهذه الحسنة الظاهرة، ويزدري لذلك الفضل الظاهر؟

ومن خصائص الشعر الجاهلي متانة الأسلوب وقوته وجزالته وأسره.

وللبيئة البدوية أثر بعيد في ذلك، وقد سار المحدثون في العصر العباسي على هذا النهج حينا، وحينا آخر أغرقوا في العذوبة والسّلاسة والسهولة التي ورثوا بعضها عن العصر الأموي ومدرسة الغزليين التي شاعت فيه. وقد دافع بعض النقّاد عن الجزالة والقوة، كما دافع آخرون عن العذوبة والرقّة، ووقف آخرون يحدّدون مواقف هذه ومواقف تلك كابن الأثير في المثل السائر وسواه. ولكن العصور الأخيرة كانت تعدّ العذوبة ضعفا في الشاعر وميلا منه إلى العاميّة، وبهذه النظرة كانوا يحكمون على شعر البهاء زهير الشاعر المصري المشهور، ولكننا نقول للناشئين: ربّوا ذوقكم الأدبي، وأرهفوا مشاعركم الفنيّة، وتأثّروا في حياتكم ومذاهبكم الأدبية بالحياة والحضارة التي تعيشون فيها، وستدركون بأنفسكم الحقيقة الأدبية في هذه المسألة الفنية. ولا شك أن عذوبة الأسلوب وسلاسته يجب أن تبرز في إنتاج الشاعر وفنّه، لأثر الحياة والحضارة في نفسه، ومع ذلك فهذه العذوبة والرقّة يجب ألّا تنقلبا ضعفا وعاميّة، وأن توشى بألوان من الجزالة في مواقف خاصة تستدعيها حياة الشاعر ونفسيته قبل كل شيء، كما يجب ألّا تنقلب الجزالة جوشبة وإغرابا وتعقيدا عند الشعراء الذين يحافظون على الجزالة. وأحسب أن شعراءنا المعاصرين الذين يتكلّفون الألفاظ اللغوية الكثيرة البعيدة في قصائدهم إنما يفعلون ذلك تقليدا فحسب وفي مطلع ص 2مقدمة لدراسة بلاغة العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت