حياتهم الفنية التي يكثر فيها الناشئون من التقليد، ولو كانت قصيدة نهج البردة لشوقي مثلا قد صيغت في أسلوب عذب رقيق سهل عن أسلوبها التي صيغت فيه، لكان أثرها الأدبي أعظم في نفس الأمة وذوقها ومشاعرها الأدبية. ونحن على أيّ حال لا يمكن أن نعيب الشعر الجاهلي لجزالته، فقد رأيت موقف النقّاد من الجزالة وإعجاب الكثير منهم بها ودفاعهم عنها، فوق أنها أثر من آثار البيئة في الشعر الجاهلي.
ومن خصائص الشعر الجاهلي أيضا القصد إلى المعنى في إيجاز ويسر وقلّة إطناب. ولا شك أن العصور الأدبية التي تلت العصر الجاهلي وتعدّدت فيها ألوان الثقافات ومظاهر الحضارات قد أبعدت الشاعر عن هذا الاتجاه، ودفعته إلى الإطناب وشتّى ألوان التصوير، ووقف النقّاد حيال ذلك طوائف: طائفة تدعو إلى الإيجاز وتراه البلاغة والبيان، وطائفة تشيد بالإطناب وترى فيه جمال الفصاحة وروعة التصوير، وأخرى تحدّد للإطناب مواضع للإيجاز مواضع كقدامة في نقد النثر وابن سنان في سرّ الفصاحة. ونحن لا نقول للشاعر المعاصر: آثر الإيجاز أو اعمد إلى الإطناب، وإنما نقول له: إن أساس الجودة الفنية أن تؤدّي معانيك في رفق ويسر وقلّة فضول وفي الآداب الغربية الآن مذاهب تدعو إلى القصد في التصوير البياني والاكتفاء بشرح الأفكار الجديدة وحدها وترك ما عداها.
ولا شك أن أهم طابع للشعر الجاهلي بعد الذي ذكرناه سابقا هو هذا الطابع البدوي الواضح الذي يفجؤك في شتى القصائد الجاهلية، مما هو أثر للبيئة والحياة الجاهلية. ونحن ندعو كما يدعو كل منصف إلى ترك هذا الاتجاه في الأداء والتصوير فقد أصبح لا يلائم منهج الحياة في القرن العشرين، كما أن إبراز هذا الطابع البدوي في شعر الشاعر المعاصر يكون تقليدا سخيفا لا مبرر له، ويحول دون ظهور نزعاته الفنية ومواهبه الخاصة المستقلة في شعره، وهذا ضرر بعيد.
ومن آثار هذا الطابع في الشعر الجاهلي شدّة تمثيله للبيئة البدوية وقد سار بعض الشعراء المحدثين على هذا النهج فملأوا شعرهم بصور الحياة البدوية من وصف الناقة والجمل والظليم والمدن والديار القديمة مما سخر به بعض النقّاد والشعراء، ودعوا إلى التحرّر منه، فقال مطيع بن إياس: [الطويل]
لأحسن من بيد تحار بها الطا ... ومن جبل طي ووصفكما سلعا
تلاحظ عيني عاشقين كلاهما ... له مقلة في وجه صاحبها ترعى
وهذه دعوة جديرة بالعناية خليفة بالإيثار وقد دعا المجدّدون في الأدب الحديث وأكثروا من الدعوة إلى أن يكون الشعر صورة لحياة الشاعر ونفسيته وبيئته وعصره. وإلى أن يخلو من آثار التقليد للقدامى في أغراض الشعر وفنونه وموضوعاته وهذا اتجاه جليل قد سار بالشعر العربي الحديث خطوات واسعة نحو التجديد والجمال والروعة. فالشاعر هو الذي يكون غير مقلّد في معناه أو في لفظه. ويكون صاحب هبة فنية في نفسه وعقله ويتأثّر ببيئته ويؤثّر فيها. ويمثّلها في جدّها ولهوها وفرحها وحزنها وسلامتها وحربها وألمها وأملها أتمّ تمثيل.