فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 550

لأحسن من بيد تحار بها الطا ... ومن جبل طي ووصفكما سلعا

تلاحظ عيني عاشقين كلاهما ... له مقلة في وجه صاحبها ترعى

وهذه دعوة جديرة بالعناية خليفة بالإيثار وقد دعا المجدّدون في الأدب الحديث وأكثروا من الدعوة إلى أن يكون الشعر صورة لحياة الشاعر ونفسيته وبيئته وعصره. وإلى أن يخلو من آثار التقليد للقدامى في أغراض الشعر وفنونه وموضوعاته وهذا اتجاه جليل قد سار بالشعر العربي الحديث خطوات واسعة نحو التجديد والجمال والروعة. فالشاعر هو الذي يكون غير مقلّد في معناه أو في لفظه. ويكون صاحب هبة فنية في نفسه وعقله ويتأثّر ببيئته ويؤثّر فيها. ويمثّلها في جدّها ولهوها وفرحها وحزنها وسلامتها وحربها وألمها وأملها أتمّ تمثيل.

ومن آثار هذا الطابع البدوي في الشعر الجاهلي أيضا بدء أغلب القصائد الجاهلية بذكر الأطلال، ووصف الديار، وهذا مذهب أغلبية الجاهليين، لا يشذّ عن ذلك إلا القليل كعمرو بن كلثوم في معلقته التي بدأها بذكر الراح. وكتأبّط شرّا في قصيدته اللامية المشهورة: [الرّمل]

إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه لمّا يطل

والتي يسمّيها بعض المستشرقين نشيد الانتقام، ويدافع ابن قتيبة في أوائل كتابه «الشعر والشعراء عن نهج الجاهليين دفاعا حارّا» فقد صوّر نهج العرب في وحدة القصيدة وما كانوا يبدؤونها به من ذكر الديار والآثار ووصلهم ذلك بالنسيب والشكوى وألم الوجد وفرط الصبابة ثم ذكر الرحلة إلى الممدوح تخلّصا إلى مدحه واستجلابا لرضائه وسنى ألطافه، وقال: والشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام وقد سار الكثير من المخضرمين والإسلاميين على هذا النهج أيضا فأكثروا من بدء قصائدهم بوصف الأطلال والديار كما أكثر الكثير منهم من بدئها بالغزل ولم يشذّ عن ذلك إلا أبو نواس الذي دعا إلى بدء القصيدة بذكر الرّاح قال: [الكامل]

وصف الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم

وتبعه ابن المعتز فقال: [مجزوء الخفيف]

أفّ من وصف منزل ... بعكاظ فحومل

غيّر الريح رسمه ... بجنوب وشمأل

وكان أبو نواس شعوبيّا في مذهبه أليس هو الذي يقول: [البسيط]

تبكي على طلل الماضين من أسد ... ثكلت أمك قل لي من بنو أسد

ومن تميم ومن قيس ومن يمن ... ليس الأعاريب عند الله من أحد

ولكن ابن المعتز كان ناقدا يبحث عن الصلة بين الأدب والحياة ويحاول أن يلائم بينهما وينادي بتحضّر الشعر وترك الغرابة فيه وتمثيله لحياة الشاعر وآرائه في الحياة وقد ثأر ابن رشيق على منهج الجاهليين في القصيدة ورأى مع من رأوا أنه لا معنى لذكر لحضري الديار، وأنه ليس بالمحدث من الحاجة إلى وصف الإبل والقفار لرغبة الناس في عصره عن تلك الصفات وعلمهم بأن الشاعر إنما يتكلّفها، وأن الأولى وصف الخمر والقيان وقد تكفت الحياة نفسها بصرف الشعراء المعاصرين عن هذا النهج الفني في القصيدة، فليس منهم والحمد لله من يبدأ قصيدته بذكر الإبل والقفار والديار والآثار، بل إن ذلك لو فعله أحد الآن لرمي بالجنون ولكن ليس معنى ذلك ألّا يصف الشاعر المعاصر معاهد أهله وأحبابه في شعره أبدا، أو ألّا يبدأ قصيدة من قصائده بذكرها، ولكنّا نقول إن المعيب هو التزام بدء القصيدة بوصف الأطلال القديمة، وإذا التزم شاعر معاصر بدء قصائده بذكرى معاهد حياته وأحبابه ولم يتخلّ عن هذا المنهج، لم نحاسبه على ذلك، إلا إذا قيّد هذا من حريته الفنية أو حبس مواهبه وملكاته الأدبية، فإنه يحبّ بحق ألّا يقيّد الشاعر نفسه بأيّ قيد لا تلزمه به نفسه ومواهبه وملكاته الفنية وحيدها، وإلا كان مقلّدا لا نصيب له من الشعور بالحياة والإحساس بها والتمتّع النفسي العميق بمشاهدها وصورها وألوانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت